مصيدة لأقارب "المختفين" في سورية: "لا يمكنك أن لا تدفع على أمل العثور عليهم"

تم نشره في الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • سوريون اعتقلتهم قوات الحكومة بالقرب من بلدة القصير السورية - (أرشيفية)

دومينيك سوغيل - (كرستان سينس مونيتور) 6/11/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ناجي حسن الأحمد هو رجل في مهمة: إنه يريد أن يعرف مصير شقيقيه اللذين "اختفيا" عنوة على يد الأجهزة الأمنية السورية. ويُخشى أن يكون أحدهما قد لقي حتفه.
كان شقيق أحمد الذي يدعى ياسين، الطالب في كلية الشريعة الإسلامية، قد اقتيد من الحافلة التي كان يستقلها عند نقطة تفتيش تابعة لقوات النظام في مدينة حمص السورية في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. وبعد ذلك، راجعت العائلة كل فرع أمني سعياً وراء الحصول على معلومات عنه -مستخدمين خدمات العديد من "الوسطاء" الذين يستفيدون من روابطهم مع مسؤولي النظام- وإنما بلا طائل.
يقول أحمد، الذي يعمل راهناً عامل بناء في إسطنبول التركية: "لقد دفعنا نحو 500.000 ليرة سورية (2500 دولار) نظير لا شيء". ويضيف: "كنا نعطيهم الاسم كاملاً وكانوا يجيبون بأنه لا يوجد أحد يحمل ذلك الاسم. وجعلنا ذلك نفهم أنه ميت".
يضيف ذلك الاستنتاج من الإلحاح على مهمة البحث عن شقيقه الثاني، علاء، الذي كانت القوات الأمنية قد اعتقلته بينما يزور مستشفى في شهر تموز (يوليو) الماضي. وكان معتقل سابق قد اتصل بالعائلة وقال لهم إنه معتقل في دمشق لدى فرع فلسطين، وهو من أقدم وأهم فروع الاستخبارات العسكرية السورية.
أعطت هذه المعلومة العائلة بصيص أمل، لكنه كان أملاً مقروناً بالخوف على حياته. ويقول أحمد الذي يعرض بعبوس رسالة "واتساب" قادمة من وسيط على هاتفه: "حتى لو اعتقلوك كشخص بريء، فإنك ستخرج مذنباً لأنك ستعترف تحت ضغط التعذيب والضرب بأي شيء -حتى بأنك عميل للموساد (المخابرات الإسرائيلية). وهذا الرجل يريد مليون ليرة سورية لإخراج أخي من السجن. إنها تجارة كبيرة -للوسيط وللضباط معاً".
يشكل اختفاء شقيقي أحمد جزءا من وجه آخر مرعب وقاتم للحرب الأهلية السورية التي قتل فيها حتى الآن ربع مليون شخص، وشردت ملايين الأشخاص من منازلهم. ويقول أحمد إن أياً من شقيقيه لم يكن عضواً في المعارضة المسلحة.
وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثقت حوالي 67.000 حالة اختفاء قسري على الأقل، الغالبية العظمى منها من المدنيين، منذ اندلاع الاحتجاجات المناهضة للنظام في العام 2011. وتقول منظمة العفو الدولية "أمنستي إنترناشيونال" في تقرير نشرته مؤخراً، إن هذه الممارسة ما تزال تتكرس كثيراً، مما تسبب في نشوء سوق سوداء من الوسطاء الذين يتقاضون الرشاوى في مقابل تزويد الناس بمعلومات.
ويقول مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، فيليب لوثر: "إلى جانب تدمير الأرواح، تعمل حالات الاختفاء على إنشاء سوق سوداء لاقتصاد الرشاوى، والتي تتاجر بمعاناة العائلات التي فقدت أحباءها". ويضيف: "ويتم ترك هذه العائلات مع الشكوك المتصاعدة وفجوة متسعة حول المكان الذي يوجد فيه ابنها المختفي".
وتضيف مؤلفة التقرير، نيكوليت بويلاند: "يستفيد مسؤولو السجن ومسؤولون حكوميون من هذه الرشاوى. والمبالغ التي نتحدث عنها ليست مجرد رشوة هنا أو هناك. إننا نتحدث عن عشرات الآلاف من الدولارات، ولذلك من الصعب جداً الاعتقاد بأن الحكومة ليست على دراية بهذا".
من هم الذين يختفون؟
للدولة السورية سجل طويل في حالات الاختفاء القسري، والذي يعرف بأنه أي الحرمان من الحرية على يد عملاء الدولة أو مساعديهم، سوية مع التعمية على مصير ومكان وجود الشخص المختفي. ويقال إن أكثر من 17.000 سوري قد اختفوا في ظل حكم حافظ الأسد. وقد توقفت هذه الممارسة عندما ارتقى ابنه، بشار، إلى سدة الرئاسة في أول الأمر، لكنها كسبت زخماً جديداً بعد بدء الاحتجاجات في العام 2011.
تقول منظمة العفو الدولية إن أولئك الذين تم استهدافهم في حالات الاختفاء القسري يقعون داخل ثلاث فئات رئيسية: معارضون مسالمون للحكومة؛ وأشخاص يعتبرون غير موالين للنظام؛ وأقارب لأشخاص مطلوبين للسلطات. وبينما تتهم مجموعات المعارضة بارتكاب الجريمة نفسها، فإن النظام يشكل المرتكب الأكبر لها.
ويختفي معظم الناس في مراكز الاعتقال التابعة لفروع أمن الدولة، لكن آخرين يختفون بينما يتم نقلهم إلى المحكمة أو عند استفسارهم عن أحباء لهم.
كانت مجموعات حقوق دولية ومحلية قد أصدرت تقارير لا تعد ولا تحصى، والتي توثق للتعذيب الممنهج وقتل الأشخاص الذين يعتقلهم النظام، بالإضافة إلى الحث على اتخاذ إجراء من جانب محكمة الجنايات الدولية. وكانت أول لمحة مرعبة عن هذا العالم الموحش قد جاءت في شكل 55.000 صورة لجثث مشوهة ومرقمة بشكل دقيق، والتي قام بتسريبها إلى الخارج في تموز (يوليو) من العام 2014 مصور عسكري سوري اسمه الرمزي "القيصر".
ويخشى أقارب المختفين أن يكون أحبتهم قد واجهوا المصير نفسه الذي واجهه نحو 11.000 شخص الذين ظهروا في صور القيصر، لكنهم لا يملكون ترف إغلاق القضية -ومن هنا ينبع ضعفهم أمام "الوسطاء".
التشبث بالأمل
يقول محمد عايش، (وهو اسم مستعار لعضو متمركز في إسطنبول للرابطة السورية للمفقودين وسجناء الضمير)، إن معظم الوسطاء هم مسؤولون أمنيون أو مسؤولون عسكريون سابقون، أو أشخاص لهم روابط قربى مع مسؤولين رفيعي المستوى، ومحامون.
ويضيف: "يعرف الجميع أن لكل قاض مفتاحا -محام معين يستطيع فتح الباب. والأمر نفسه ينطبق على الفروع الأمنية. ومع انطلاق الثورة، أصبحت الحالة أسوأ بكثير والمبالغ أكبر بكثير".
ويشرح محامي دفاع سوري ما يزال يعمل في البلد بالقول: "يركز معظم الوسطاء على الفروع الأمنية لأن من المستحيل تقريباً أن تحصل العائلات على أي معلومات منها". ويضيف: "إنني أحذر العائلات دائماً من هذا الأمر. فحتى لو أحضر الوسطاء أي معلومات، فليست هناك طريقة لتأكيد صحة هذه المعلومات. لكن كل ما يريده الناس هو المعرفة والتشبث بأمل أن ابنهم ما يزال على قيد الحياة". ويقول المحامي إن هذه الجهود لا تجلب أي نتائج في 80 في المائة من الحالات.
يظل الجميع عرضة لهذه الألاعيب، حتى العائلات التي تتوافر على تقليد طويل من نشاط الحقوق المدنية والمعارضة السياسية مثل عائلة علي الأسعد الذي كان والده الشيوعي قد أمضى سبع سنوات في السجن، وظل يدخل إليه ويخرج منه حتى اختفى في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2013. وكان السيد الأسعد، الجيولوجي السابق ورجل مبيعات لزراعة الشعر راهناً في اسطنبول، قد دفع مبلغ 10.000 دولار لوسطاء عدة على أمل التأكد من مكان وجود والده.
ويشرح بالقول: "إنك لا تستطيع أن لا تدفع. عقلك يقول لك إنهم يكذبون وإنهم يحاولون استغلالك، لكن قلبك يقول لا، فقد تنجح العملية وقد يكونون قادرين على إعطائك معلومات. وتعيش بالتالي تحت وطأة هذا العذاب النفسي بين عقلك وقلبك. وفي معظم الأوقات يعلو صوت القلب".
"مافيا كاملة"
رنيم معتوق هي ابنة مدافع لناشط في حقوق الإنسان كان قد اختفى في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2012. وتعتقد العائلة بأن خليل معتوق اعتقل عند نقطة تفتيش تابعة للنظام بينما كان في الطريق إلى عمله. وكانوا كلهم يخشون من حدوث هذا الأمر يوماً ما، وكان والدهم قد حذرهم من استخدام الوسطاء الذين ليسوا سوى مخادعين.
وتقول السيدة معتوق التي تعيش حالياً في ألمانيا: "لم نتخيل أبداً أنه سيختفي في مثل هذه الظروف الغامضة".
وكانت السيدة معتوق قد اعتقلت هي نفسها لاحقاً في غارة مداهمة في إحدى الضواحي، وأمضت أشهرا عدة معذبة في زنزانة مكتظة، وهي تستمع إلى صرخات النساء وهن يعذبن. وقامت والدتها برشوة القاضي في محكمة مكافحة الإرهاب من أجل شمولها بالعفو الرئاسي في العام 2014.
وتقول معتوق: "إنها مافيا كاملة. ومع أن هذا يزيد قوة النظام، فإنه لا أحد يرفض الدفع من أجل تحرير أحد أحبابه".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: For kin of Syria's disappeared a trap: You can't not pay to find them.

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

@abdrahamanalhuseini

التعليق