محمد برهومة

أحداث فرنسا... تلعثم الغرب وتلعثمنا

تم نشره في الجمعة 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:06 صباحاً

حسناً فعلتْ هيئة كبار العلماء في السعودية، والأزهر في مصر، بإدانتهما الفورية للجرائم الإرهابية في فرنسا. وهو موقف أخلاقي لنزع الشرعية عن أيّ عمل إرهابي، و"عدم التفريق بين إرهاب وإرهاب وفق النظرة المصلحية الضيقة". وعلى أهمية هاتين الإدانتين، إلا أنهما غير كافيتين وغير جذريتين؛ لأنه مع كل عمل إجرامي كهذا، ومثله أيضاً تفجيرات برج البراجنة في بيروت، يتم التساؤل عمّا يدفع هؤلاء إلى هذه الأعمال الوحشية؛ ويثار نقاش عن توافر "التباس ما" قد يسمح بتأويل النصوص الدينية من قبل هؤلاء الإرهابيين للزعم بأنهم "يَقتلون باسم الله".
الدعوة إلى عدم الخلط بين الإسلام والإرهاب، وبين المهاجرين المسلمين والإرهاب، جاءت بعد أحداث فرنسا على لسان فرانسوا أولاند وباراك أوباما أكثر من غيرهما. وهما موقفان يُحسبان للغرب، كما أنهما يؤكدان حقيقة أن السواد الأعظم من المسلمين يرفضون جرائم تنظيم "داعش" وسواه، وهم أولّ وأكثر ضحاياه، وهم على قناعة أن "داعش" يتناسل على وقع جرائم النظام السوري وصعود النزاع الطائفي وغياب العدالة، وسكوت الغرب عن الجرائم بحق السوريين فرّخ الإرهاب وجعله "يبقى ويتمدد". ومع تقدير أنّ القراءة المتخلفة والمرتبكة للإسلام إنما تعكس تخلّف مجتمعاتنا وارتباك رؤيتنا للعالم والعصر، فإن هذه الاحتياطات المذكورة سابقاً لا تشفي الغليل في الإجابة عن جاذبية التطرف لشباب في عمر الورود!
ومع تقديرنا لإدانة هيئة العلماء والأزهر، إلّا أن الإصلاح الديني الحقيقي في العالمين العربي والإسلامي ما يزال يتأخر ويتلعثم؛ لأنّ أحد أركانه الأساسية وهم علماء الدين، في غالبيتهم العظمى، لا يقومون بواجبهم الإصلاحي، وهم ما يزالون غير مقتنعين بأنّ ما لدينا من مدونات فقهية وتأويلات وشروحات للنص الديني بحاجة ماسّة إلى المراجعة والنقد والتفكيك والإضافة والحذف والتطوير، لكي تنسجم مع روح العصر والتقدم البشري.
كانت البروتستانتية واللوثرية والكالفنية حركة إصلاحية من داخل السياق الديني الأوروبي؛ فلوثر كان راهباً ألمانياً، والفرنسي كالفن كان قسّاً وأستاذاً لتعليم الإنجيل، غير أنّ هذا لم يمنعه من الدعوة إلى وجوب خضوع الكنيسة للمراقبة، وبأن يكون عملها شأناً عاماً قابلاً للأخذ والردّ. كالفن أعاد السلطة للكتاب المقدس بعدما كانت السلطة هي الكنيسة التي  جعلت الكتاب المقدس يستمد منها سلطته.
ريجيس دوبريه يلفت النظر في إحدى مقارباته إلى أنّ تطوّر الغرب انتقل من عصور الانحطاط (القرون الوسطى) إلى النهضة، لكنّ التاريخ الإسلامي عرف النهضة قبل عصور الانحطاط (الممتدة حتى الآن). وينبه دوبريه إلى أهمية القراءات التي تذهب إلى أنّ الإسلام ولِد علمانياً، وهو ما يعلّق عليه الباحث التونسي يوسف الصديق بالقول: "الإسلام حتى وإنْ ولد علمانياً، فإنه لم يبق كذلك بعد القرن الثالث الهجري حين اكتمل تدوين الحديث والمذاهب الفقهية".
اليوم، تجتمع لدينا سياسات تتوافر على الاستبداد والظلم والفساد، وتذوي في حاضرنا الفلسفة والفنون والآداب، ويتراجع علماء الدين عن إدراك الحاجة إلى مراجعة النصوص الدينية وإزالة الالتباس عنها ونزع الشرعية عما تتضمنه من عنف... وهذه وصفة مثالية للتطرف والتخلف. وبمعالجة ذلك يتصاعد المضمون التقدمي للدين، بأنْ يقدّم معنى لا يزاحم الحياة والتطور وحقوق الإنسان. تحررنا يكمن في ألا يكون "إنتاج المعنى" حكراً على الفكر الديني أو المؤسسة السياسية.
ما تقدّم دعوة موجهة ليس فقط للعالمين العربي والإسلامي، بل للمؤسسات الدينية في الغرب، لأنه لا يجوز تبرير التطرف والإرهاب بدوام الحديث عن إشكالية الهجرة واندماج المسلمين في المجتمعات الغربية وحالة الاغتراب والبحث عن هوية لدى الأجيال الجديدة هناك.
إذن، الغرب مسؤول بسكوته عن الظلم والجرائم في سورية، ونحن مسؤولون عن عدم إزالة الالتباس والشرعية الدينية عن شروحات نصوص تسمح بإجازة "القتل باسم الله".

التعليق