فرصتنا بمكافحة الإرهاب والتطرف

تم نشره في الأربعاء 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 01:00 صباحاً

د. محمود عبابنة*

حجتنا في الدفاع عن أنفسنا وعن ديننا أمام أي "إبداع" إرهابي يتفوق فيه أخوتنا في العقيدة، هي القول إن "هؤلاء ليسوا من المسلمين"؛ فلا الذين فجروا أبراج نيويورك منا، ولا الذين فجروا أنفاق المترو في لندن منا، ولا الذين ارتكبوا الجريمة البشعة بحق شهيدنا معاذ الكساسبة منا، ولا الذين أسقطوا الطائرة الروسية بركابها الأبرياء منا، ولا الذين فجروا في بيروت وقتلوا المسلمين منا، ولا الذين فجروا في الاستاد الرياضي والمسرح في باريس منا، ولا الذين قطعوا رؤوس ثمانية عشر عاملاً مصرياً على شواطئ سرت في ليبيا منا، ولا الذين سيفجرون ويقتلون في الأيام المقبلة، الله أعلم أين منا... والقائمة تطول.
إخواني الذين يتمسكون بعقلية المؤامرة والتشفي، ويذكروننا بتقتيل إخوتنا في فلسطين على يد جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين، نقول لهم هذا أبشع صور الإرهاب، كما لا نستبعد فكرة المؤامرة على الشعوب العربية لتدمير مقدراتها، وصرف النظر عن قضيتنا الأولى فلسطين التي لم نشهد لأجلها أي عملية أو اشتباك مع الجيش الإسرائيلي من قبل هؤلاء الذين يرفعون راية الجهاد في باريس ولندن.
لكن الاستعمار والاحتلال وتهديد "الأقصى"، وأي حجة أخرى، ليس مبرراً لإرهاب بيروت أو باريس، أو غداً في لندن وموسكو التي لم تبخل جامعاتها على أبنائنا بعشرات آلاف الأطباء والجامعيين بمختلف التخصصات وبالمجان. إن "الباروميتر" الحقيقي لتقييم سلوك أي جماعة أو فئة أو شعب، ليس ما يدعيه هذا الشعب أو ذاك، بل ما يصدر عن أفراده من أفعال أو أقوال أو تصرفات، مسلسل الإرهاب المعاصر الذي تتوالى حلقاته ونحن نتصدر بطولته ونمهر إنتاجه وإخراجه بأيد عربية وإسلامية، هذه الآفة التي تتسارع ككرة الثلج المتدحرجة، والتي حتماً ستسقط أول ما تسقط على رؤوسنا ورؤوس الأبرياء أينما كانوا.
ألم يحن الوقت لمفكرينا وقادتنا ودوائر الدراسة والبحث في عالمنا العربي أن تخرج رؤوسها من الرمال وتلتفت إلى أن  نسبة متزايدة من مسلمين يؤدون الفرائض ويؤمنون بأركان الدين الخمسة، يحتجزون الدين رهينة ويفسرونه بناءً على مقولات عرجاء ومنطق مشوه عاجز عن مجاراة سياقات العصر؟ إن الأمر لا يحتمل الانتظار للشروع بمنهجية إصلاحية تنويرية تتبنى مشروعا حداثيا يتصالح مع الآخرين، بدل التمسك بخطوط عرض وطول لتقسيم العالم إلى دار حرب ودار إسلام، فالآية الكريمة تقول: "... مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا...".
أضحت مواجهة الإرهاب الدولي الذي لا دين له أصلاً، لكن يحاول خوارج العصر دمغه بطابع إسلامي، مواجهة دولية يجب أن نقف فيها بالصف الأول، من خلال استراتيجية شاملة ومدروسة، تتضمن فيما تتضمن العودة إلى المدارس والنظر في المناهج الدراسية وتنقيتها من الشوائب ومظاهر التخلف. والعودة إلى المساجد ورصد فتاوى التكفير والزندقة واجتثاثها، وإغلاق محطات إذكاء الفتنة وإعادة النظر في التراث الديني وطرح ما هو دخيل، بحيث تتم مراعاة السياقات الزمانية والمكانية، ونبذ أي أفكار أو استخلاصات مهما كانت قداستها تدعو إلى إقصاء ومحاربة الآخرين لمجرد اختلاف الفكر أو المعتقد.
وقد تكون رسالة عمان وثيقة صالحة للبناء عليها. وقد يحظى الأردن بفرصة الريادة والصدارة لشن حملة مضادة على الإرهاب أكثر من غيره، نظراً لما يتمتع به الأردن، ممثلاً بقيادته المعتدلة، من سمعة دولية. فيقود استراتيجية حكيمة رصينة تتركز على البعد الفكري أولاً، ثم البعد الأمني ثانياً.

    *محامي ومحاضر بالجامعة الأردنية

التعليق