تونس: الأمل العربي العظيم يعاني

تم نشره في الخميس 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 12:00 صباحاً

تقرير خاص - (الإيكونوميست) 21/11/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

القصرين، تونس- ثمة قصة سعيدة واحدة فقط يمكن أن تخرج من فوضى الربيع العربي في العام 2011. فبينما سقط جيرانها في مستنقع الفوضى والعنف وتجدد الاستبداد، بقيت تونس -الدولة العربية الأولى التي تطيح بدكتاتورها- ثابتة على الطريق نحو بناء ديمقراطية سلمية. وكانت هناك نكسات على طول الطريق، لكن البلد عقد في العام 2014 انتخابات عامة ورئاسية حرة ونزيهة، وتبنى دستوراً ليبرالياً نسبياً. وكانت مكافأة تونس على ذلك جائزة نوبل للسلام، التي مُنحت في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي لأربع من منظمات المجتمع المدني، والتي ساعدت تونس في البقاء على المسار.
كانت الجائزة أيضاً، كما قالت لجنة نوبل، بمثابة تشجيع لتونس على مواصلة المسيرة. لكن البلد فقد بعد شهر من توازنه إلى حد ما؛ حيث يهدد شرخ في الحزب السياسي المهيمن بزعزعة استقرار الحكومة التي كانت تناضل مسبقاً في سبيل إعادة إطلاق اقتصاد غارق في الفساد والروتين، وتجاوز آثار هجومين كبيرين شنهما تنظيم "داعش" على السياح الأجانب في البلد هذا العام. وربما تكون ليبيا المجاورة الغارقة في حرب أهلية قد وفرت التدريب والأرضية لتلك الهجمات الإرهابية. وفي الأثناء، يقاتل الجيش التونسي المتشددين الإسلاميين على حدود البلد مع الجزائر.
وهناك هجوم ثالث كبير تم إحباطه هذا الشهر، وفقاً للسلطات التونسية. وكانت خلية من 17 متشدداً إسلامياً، مدربين في ليبيا وسورية، قد خططوا لضرب فنادق وقوات أمنية ورجال سياسة في سوسة؛ حيث كان 38 أجنبياً قد قتلوا في واحد من الهجومين الإرهابيين السابقين. وعثرت السلطات على بنادق كلاشنكوف ومتفجرات لدى اعتقال المشتبه بهم، كما تقول وزارة الداخلية التونسية.
يضيف التهديد الأمني المتصاعد في البلد إلى الضغط الذي يتعرض له "نداء تونس"، الحزب الذي يملك أكبر عدد من المقاعد في البرلمان، من أجل حل الصراع المتأجج منذ وقت طويل على السلطة بين الفصائل المتنافسة. ويعتقد أحد الأجنحة، الذي يقوده الأمين العام للحزب، محسن مرزوق، بأن حافظ قايد السبسي الذي يقود الجناح الآخر، يحاول خلق سلالة عائلية حاكمة. فوالده، الباجي السبسي، هو رئيس تونس ومؤسس الحزب. وقد وصل هذا النزاع إلى ذروته يوم 8 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي عندما قام 30 عضواً في البرلمان -والذين يُنظر إليهم على أنهم مؤيدون للسيد مرزوق- بتقديم استقالتهم من حزب "نداء تونس". وتمثل هذه المجموعة أكثر من ثلث البرلمانيين من أعضاء الحزب.
الآن، يبدو كما لو أن أعضاء البرلمان المنشقين ربما يعودون إلى حظيرة الحزب. ويقال إن السيد السبسي الكبير، الذي حاول أن يظهر فوق الخلافات، طلب من ابنه ومن السيد مرزوق إسناد قيادة الحزب إلى شخص آخر. لكن التوترات في داخل حزب "نداء تونس" سوف تبقى. فهذا الحزب هو خليط من اليساريين، والليبراليين والمحافظين، وكذلك النقابيين ورجال الأعمال الذين كانت للكثيرين منهم صلات بنظام الدكتاتور السابق زين الدين بن علي. وقد توحد هؤلاء تحت راية "نداء تونس" وقيادة السيد السبسي، من أجل معارضة "النهضة"، الحزب الإسلامي المعتدل الذي قاد الحكومة منذ أواخر العام 2011 وحتى أوائل العام 2014. ومع ذلك، "ليست هناك إيديولوجية توحيدية، ولا برنامج سياسي، ولا رؤية اجتماعية-اقتصادية" لحزب نداء تونس، كما تقول مها يحيى من مركز كارنيغي الشرق الأوسط. وثمة موضوع خلافي آخر في داخل الحزب، هو قرار الدخول في تحالف مع حزب النهضة في أعقاب انتخابات العام 2014؛ ويريد أولئك الذين في معسكر السيد المرزوقي أن يكون حزبهم علمانياً بطريقة أكثر حزماً. لكن مما ينطوي على مفارقة أيضاً أن أي انقسام في الحزب سيجعل من "النهضة" الحزب الأكبر في البلاد.
إذا استطاعت الحكومة النجاة من الأزمة الأخيرة، كما هو متوقع، فإن ذلك قد يكون أكبر إنجازاتها. فقد فعلت الحكومة القليل لإصلاح الاقتصاد غير الفعال، والذي ما يزال يفضل النخب القديمة. كما نما القطاع العام المتضخم أصلاً في الفترة الأخيرة. ويقول البعض إن الفساد أصبح أسوأ من أي وقت مضى. وقد وعدت أميركا بتقديم مساعدة سخية جديدة، لكن ثمة القليل جداً من التنمية في مناطق البلد الداخلية المهملة منذ وقت طويل. ويقول غيث لمامي، المحامي في سيدي بوزيد، حيث بدأت احتجاجات الربيع العربي أول الأمر: "ليست لدي أي فكرة عما تغير (منذ الثورة). هل تعتقدون أن هذه تبدو مثل مدينة متطورة؟".
يجعل الافتقار إلى التقدم الاقتصادي في المناطق الريفية أمر تأمين تونس أكثر صعوبة. ويُعتقد بأن الآلاف من التونسيين قد انضموا إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" في كل من العراق وليبيا وسورية. لكن الشبان الساخطين من فرص العمل القاتمة لا يحتاجون إلى السفر كل تلك المسافة، وينضم البعض منهم إلى المتشددين الإسلاميين في الجبال المحيطة بالقصرين في الغرب؛ حيث قتل العديد من المقاتلين المتشددين وجندي تونسي يوم 15 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي.
يخشى البعض أن يفضي التهديد الجهادي المتصاعد إلى سيطرة القطاع الأمني على السلطة، والذي يُنظر إلى أجزاء منه على أنها متواطئة مع رجال الأعمال الراسخين والشخصيات الشبيهة بالمافيا. وما تزال تونس تناضل من أجل البدء في التخلص من إرث الانتهاكات التي ارتكبتها السلطات. ومع ذلك، يترك الوضع الحالي تونسيين آخرين مع شعور بالحنين إلى الماضي. وفي الحافلة الصغيرة من القصرين إلى تونس العاصمة، يتفق العديد الركاب على شيء واحد: كانت الأمور أفضل في ظل حكم السيد بن علي.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
 The great Arab hope struggles

التعليق