"308 -عقوبات" تشجع على الجريمة وإفلات الجاني من العقاب

تم نشره في الأحد 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 11:11 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2015. 11:14 مـساءً
  • تعبيرية

عمان-الغد- أشارت دراسة "الجرائم الجنسية ضد النساء- المادة 308 من قانون العقوبات الأردني نموذجاً"، إلى أن اختلاف الثقافات والأديان في المجتمعات، والأعراف والعادات والتقاليد التي تسود فيها، هي التي تحدد المعايير والأسس التي تقوم عليها التشريعات والقوانين، وتبين بالتالي الأفعال التي تعتبر جرائم جنسية يعاقب عليها القانون من تلك الأفعال التي تعتبر مقبولة اجتماعياً وغير معاقب عليها.
ولفتت إلى أن الولايات المتحدة مثلا لا تعتبر العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة خارج إطار الزواج جرماً، ما دام برضاهما، في حين تحرّم تشريعات الدول العربية والإسلامية العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة قبل الزواج الشرعي.
كما وأن تعريف الجرائم الجنسية، والتي هي من أبشع صور العنف الجنسي ضد النساء والفتيات، تعتمد بشكل أساسي على الجوانب التي ينظر اليها عند تحليل السلوك الإنساني، فيعرفها علم الاجتماع على أنها: "سلوك أو علاقة جنسية قائمة على غير قواعد الزواج المشروع بين الرجل والمرأة".
أما علم النفس فيعرف الجرائم الجنسية بأنها :"كل فعل جنسي يكون فيه عامل الإكراه والإلزام والقسر والإهلاك والإفساد والشذوذ إحدى أدواته وطريقته لبلوغ هدفه أو إشباع حاجاته، أو أنها كل فعل جنسي يسبب بطريقة أو بأخرى حالة من عدم الرضا والراحة والطمأنينة والشعور بالذنب والقلق لأحد طرفي المواقعة الجنسية أو كليهما" .
وتعرف الجرائم الجنسية من الناحية القانونية بأنها: "الفعل الفاضح الذي يرتكبه شخص لإشباع غريزته الجنسية والذي يعد مخالفاً لما هو متبع طبقاً للعادات والتقاليد والأعراف السائدة في المجتمع، الذي يعيش فيه الفرد، وأنه يشكل بهذا الفعل مخالفة قانونية تؤدي إلى إدانة مرتكب الفعل".
وفيما يتعلق بالمادة 308 من قانون العقوبات الأردني، والتي تشمل عددا من الجرائم الجنسية كالاغتصاب وهتك العرض وفض البكارة بوعد الزواج والخطف، فتشير جمعية معهد تضامن النساء الأردني "تضامن" لإجابات الأردنيين على سؤال وردت نتائجه بالدراسة عن الاسباب التي تدفع بالجاني عرض الزواج من الضحية، حيث أفاد 62.5 % منهم بأن السبب هو لحصول الجاني على إعفاء من الملاحقة القضائية أو المحاكمة أو تنفيذ العقوبة، وكانت النسبة الأعلى بين الأردنيين في الفئة العمرية 26-35 بنسبة بلغت 72 %.
وأما السبب الثاني فكان لتلافي الوصمة الاجتماعية عليه، بنسبة بلغت 15 %، وكانت النسبة الأعلى بين الأردنيين في الفئة العمرية 56 عاما فأكثر، وبنسبة 26 %. واحتل سبب الزواج تعبيراً عن ندم الجاني السبب الثالث وبنسبة 9 %، ومن ثم جاء لاتفاقه المسبق مع الضحية على ذلك بنسبة 7 %، وكانت أقل النسب كما يراها أفراد العينة بهدف الانتقام من الضحية وأسرتها، وبنسبة 4 % في حين أن نسبة الأسباب الأخرى غير المذكورة سابقاً لم تتجاوز الـ2 %.
وترى "تضامن" أن 46 % من الأميين أفادوا بأن أهم الأسباب التي تدفع بالجاني عرض الزواج من الضحية هو الحصول على إعفاء من الملاحقة القضائية أو المحاكمة أو تنفيذ العقوبة، كما أفاد أكثر من نصف الأفراد من كافة المستويات التعليمية التي تبدأ بالابتدائي وتنتهي بشهادة الدكتوراه بنفس الاجابة.
تجدر الاشارة إلى أن نسبة لا بأس بها، بلغت 27 % من الأفراد الأميين، و30 % من حملة شهادة الابتدائي، أفادوا بان سبب تلافي الوصمة الاجتماعية يمكن أن يدفع بالجاني عرض الزواج من الضحية.
وحول الكيفية التي تتم فيها ملاحقة الجاني في حال تم طلاقه من المجني عليها، قبل انقضاء المدد المحددة بالمادة 308، يجيب على ذلك مساعد النائب العام لمحكمة الجنايات الكبرى القاضي جهاد الدريدي بقوله: "تستعيد النيابة العامة حقها بملاحقة المعتدي حالما يتنامى إلى علمها أن الجاني قام بطلاق المجني عليها، قبل مرور 5 سنوات للجناية و3 سنوات للجنحة على عقد الزواج، أو في حال بادرت المجني عليها بالطلب من المحكمة بإعادة الملاحقة للجاني لطلاقه لها قبل مرور المدة الزمنية المقررة، بموجب نص القانون، إذا كان الطلاق قد تم لسبب غير مشروع."
ولكن ما يحدث فعلا أن إعادة ملاحقة الجناة في الجرائم الجنسية نادراً ما يحدث وذلك، حسب رأي القاضي جهاد الدريدي، حيث يكمل فيقول: "والذي يحدث عادة أن الجاني قد يقوم بالضغط وممارسة العنف عليها أو حجز حريتها أو أي نوع من السلوك الذي يدفعها دفعاً لطلب الطلاق، ويكون عادة طلاق مقابل الإبراء العام وهذا بنظر القضاء سبب مشروع لأن الطلاق قد تم برضاها وإرادتها الحرة المثبتة بوثيقة الطلاق، وهي بالتالي لا تستفيد من مدة السنوات الخمس أو الثلاث، لذلك أقترح تعديل المادة بإلغاء هذا التحديد للمدة التي هي في حالات كثيرة تطيل أمد المعاناة ولا تحل مشكلة حسب رأيي الشخصي، وأيضا قد تستعيد النيابة العامة حقها بملاحقة الجاني اذا تقدم أحد ما بالإبلاع عن الطلاق قبل مرور المدة الزمنية المقررة بموجب القانون".
وأضاف "لكن في أغلب الحالات لا المجني عليها تتقدم بطلب إعادة الملاحقة ولا ربط مع المحاكم الشرعية يتيح لنا العلم بالطلاق وبالتالي تكون النتيجة الإفلات من العقاب بذريعة الزواج من المجني عليها. أما الحالات التي حصل بها إعادة ملاحقة فهي تكاد تكون نادرة جدا".
وتؤكد "تضامن" على أننا في الأردن حققنا إنجازات كبيرة للنساء في مجالات كثيرة كالتعليم والرعاية الصحية وغيرها إلا أننا في جانب العدالة الجنائية وضمانات الحق في الوصول إلى العدالة لضحايا الجرائم الجنسية، ما زلنا نراوح مكاننا أسرى تقاليد اجتماعية، لم تعد تلائم العصر، ولا تليق بوطننا، ولا تلائم مجتمعنا في هذا الزمن.
فعندما يتعلق الأمر بنظام العدالة الجنائية، وخاصة ما يتعلق بالجرائم الجنسية، الواقعة على النساء والفتيات والأطفال على الأغلب، فإننا نعتبر بقاء المادة 308 أمرا مؤسفا، لأنه يحمل دلالات واقعية ورمزية خطيرة وسلبية، تشير – في حال الإبقاء على المادة - إلى موافقتنا كمجتمع على معاقبة الضحايا فقط لأنهن إناث، وتمكين الجناة من الإفلات من العقاب فقط
 لأنهم ذكور! 
وتضيف "تضامن" أن تطبيق المادة على النحو الوارد في القانون ينطوي في حقيقته على اعتداء على الحق العام؛ فالجريمة الجنسية هي جريمة ضد الأشخاص نعم، ولكنها أيضاً جريمة بحق المجتمع، لأن أي تهاون معها يجعلها قابلة للتكرار من الشخص ذاته أو من غيره، مطمئناً إلى أنه قادر على الإفلات من العقاب، وهو وضع لا يحقق هدف التشريع الجنائي في الردع الملائم العام والخاص، وبالتالي لن تتحقق العدالة والمصلحة المتمثلة في الوقاية من الجرائم والحد من وقوعها، كما لن يتحقق هدف حماية وإنصاف الضحايا وتأهيلهن.
وتشير "تضامن" إلى أن المادة 308 تسمح بالتمييز بين الناس في حالة تعدد المعتدين، أو في حالة عجز الجاني المادي عن الوفاء بمتطلبات الزواج من الضحية، أو في حالة إختلاف الدين، وخاصة إذا لم يكن الجاني مسلماً، أو إذا كانت الضحية متزوجة، كما أنها تعطي الإنطباع بتوقيت عقد الزواج وتحديد إلزاميته بمدة معينة ولو ضمنياً من خلال إطلاقها لحق المعتدي بطلاق المعتدى عليها، بعد مرور خمس سنوات أو ثلاث سنوات دون عقاب.
علاوة على افتقاد عقد الزواج في هذه الحالات إلى أحد أهم أركانه وهو ركن الرضا وأهم غاياته وهو تكوين أسرة تسودها المودة والرحمة والإحترام والسعادة.. لأن ركن الرضا وإن تحقق شكلياً إلا أنه غير متحقق فعلياً فالغاية من مثل هذا الزواج هو إتقاء الفضيحة بالنسبة للضحية والإفلات من العقاب بالنسبة للجاني، وهذا ما أكدت عليه الدراسة التي نفذتها "تضامن"، وكلاهما غاياتان لا تتوافقان والغاية من الزواج وتكوين الأسرة.. فالمودة والرحمة والاختيار الحر كلها غائبة عن مثل هذا العقد، مما يتناقض مع الشريعة الإسلامية والشرائع السماوية في هذا المجال، إن التوقيت الزمني وغياب ركن الرضا يؤدي إلى هدم ركنين أساسيين من أركان صحة عقد الزواج، وهو ما أشارت إليه الفتوى الصادرة بهذا الشأن عن دائرة الإفتاء في المملكة.
وأثارت الدراسة تساؤلات تتعلق بالغاية من وجود المادة 308 في ظل استغلال استخدامها من أغلب الجناة خاصة في جريمتي هتك العرض والاغتصاب، حيث أكدت العديد من ضحايا الاغتصاب، التي تمت مقابلتهن انتهاء الزواج بالطلاق قبل مرور المدد القانونية المحددة، ولم يتم اعتبارها كحالات طلاق غير مشروع نظراً لضعف المعرفة القانونية للضحايا مقارنة بالمعرفة القانونية للجناة.
ووجدت الدراسة ضعفاً شديداً بل انعداماً للتنسيق بين دائرة قاضي القضاة ووزارة العدل، فيما يتعلق بإعادة ملاحقة الجناة في حال تم الطلاق بدون سبب مشروع قبل انقضاء المدد المحددة بالمادة 308، مما يشكل إهداراً وتساهلاً بالحق العام، وخللاً لصالح مرتكبي الجرائم الجنسية يمكنهم من الإفلات من العقوبة المقررة
 لذلك.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن "تضامن" والتحالف المدني الأردني لإلغاء المادة 308 يطالبان الحكومة ومجلس الأمة الإستجابة للمطالب التي عبرت عنها الحركة النسائية في الأردن منذ سنوات، والوفاء بإلتزاماته خاصة أمام اللجان الدولية، والعمل سريعاً على إلغاء نص المادة 308 لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب ولتحقيق العدالة الجنائية للنساء والفتيات ولإنهاء النصوص التمييزية ضدهن في التشريعات خاصة قانون العقوبات الأردني.
يذكر أن  مشروع "نجاة – معاً لملاحقة الجناة وحماية النساء الناجيات من جرائم العنف الجنسي" بدعم من الشعب الأميركي ومن خلال المنحة المقدمة من برنامج USAID لدعم مبادرات المجتمع المدني والمنفذ من قبل منظمة صحة الأسرة الدولية FHI 360 وبتمويل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID). ويعتبر هذا المحتوى من مسؤولية "تضامن" ولا يعكس بالضرورة آراء الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) أو آراء الحكومة الأميركية أو حتى آراء منظمة صحة الأسرة الدولية FHI 360.

التعليق