"تضامن" ترفع شعار "إحكي ما تخافي وإشكي على الجاني" لمواجهة الافلات من العقاب

68 % من الأردنيين: إعفاء الجاني من العقاب وفق "308- عقوبات"

تم نشره في الثلاثاء 1 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 1 كانون الأول / ديسمبر 2015. 12:38 مـساءً

    عمان-الغد- تقول عايده (اسم مستعار)، وهي ضحية لجريمة اغتصاب، وتم تزويجها من الجاني: "تزوجته لأنو أهله ضغطوا على أهلي ودفعولهم...لو ما تزوجته كان حكمته المحكمة مؤبد، أو 15 سنة حبس...عاش معي ثلاثة أشهر ثم سافر...تركني حامل...معلقة...ولم يتصل بي ولا أعرف أين هو منذ ثلاث سنوات...طلبت الطلاق...حسيت إنه خدعني وخدع المحكمة وهرب".
    وتشير جمعية معهد تضامن النساء الأردني "تضامن" الى أن ما ورد على لسان المجني عليها عايدة، يعبر عن واقع حالات عديدة من ضحايا الجرائم الجنسية، بدءاً من التردد في تقديم شكاوى رسمية ضد الجناة، ومروراً بمعاناتهن المزدوجة جراء الجرائم الجنسية نفسها من جهة والخوف من الفضيحة والعار من جهة أخرى، وانتهاء بالرضوخ لمطالب فرضها المجتمع وحماها القانون بتزويج الضحايا من مرتكبي الجرائم الجنسية.
    إن هذه الثقافة المجتمعية المسيئة للنساء والفتيات، والتي تدين الضحايا وتنحاز للجناة، قد تغيرت حسب ما أشارت اليه دراسة "الجرائم الجنسية ضد النساء- المادة 308 من قانون العقوبات الأردني نموذجاً"، حيث تبين أن 68 % من الأردنيين يعتقدون بأن إعفاء الجاني من العقاب وفق المادة 308 يشجعه على ارتكاب الجرائم الجنسية. حيث أن 53 % من الأردنيين أجابوا بنعم و15 % أجابوا بنعم الى حد ما، مقابل 28.9 % أجابوا بلا و3.1 % أجابوا بأنهم لا يعرفون.
    وتضيف "تضامن" بأن الرسالة التي أطلقتها مع هذه النتائج، وهي "إحكي ما تخافي وإشكي على الجاني"، تدعو الضحايا إلى عدم الإذعان لثقافة الصمت والخوف من الفضيحة والعار، وتطلب منهن الوقوف بقوة في وجه الجناة الذين يستحقون العقاب لا المكافأة على أفعال جرمية يعاقب عليها القانون.
    وقد ارتات رئيسة الهيئة الاستشارية لـ "تضامن" أسمى خضر أن تسرد قصة حقيقية لفتاة تعرضت للاغتصاب ورفضت الزواج من مغتصبها في مقدمة الدراسة، لتكون عبرة لجميع النساء والفتيات، بأن مرتكب الجريمة الجنسية يجب أن يعاقب وبأن ضحية هذه الجريمة يمكنها الاستمرار في حياتها والتفوق أيضاً.
    وتقول خضر: "حين قابلتها لأول مرة العام 1983 أدهشتني نظرتها الواثقة.. المصممة. قالت بصوت حزين ولكن بوضوح.. لقد انتزع مني ومن أسرتي الراحة والاستقرار .. ليس فقط غشاء البكارة .. ولكن أكثر بكثير..
    كان ابن عمي وكنت طالبة في الرابعة عشرة متفوقة في دراستي وأحلم أن أكون طبيبة .. طلبني للزواج ورفضته مرتين .. كان أبي يقول له ولعمي.. البنت ما تزال صغيرة.. ولم تكمل دراستها، ولم يكن هذا مقنعاً لهما.. ويبدو أن أحدهم أرشد ابن عمي إلى المادة 308 من قانون العقوبات.. فقرر أن يغتصبني ويرغم أهلي ويرغمني على القبول به زوجاً .. ترصدني واختطفني وفعلها.. وجاء بي بين الصحو والإغماء إلى بيت أهلي.. متباهياً كما لو أنه بطل زمانه .. قال لقد أخذتها .. ليس أمامكم سوى أن تزوجوني أياها.. وأنا ما زلت مستعداً للزواج.. كما لو أنني مجرد شيء معطوب.. وهو المنقذ الذي سيضحي من أجلي.. حاول أبي اقناعي بالموافقة .. وكاد تحت ضغط العائلة.. أن يوافق ويكرهني على الزواج.. ولكنني هددت بقتل نفسي إن هم أرغموني.. وكنت جادة جداً.. والدي حينها طلب الشرطة.. وهو الآن موقوف وها أنا .. أدافع عن نفسي وأريد أن يدفع ثمن فعلته.. أطالبه بالتعويض المادي والمعنوي.. وسأكون طبيبة كما حلمت دائماً .. وهو عليه أن يدفع تعويضات عن الضرر الذي أصابني وأصاب أسرتي.. فالمدرسة رغم أنني كنت نجمتها المتفوقة لم تقبل عودتي للدراسة فيها بحجة أن قصتي أصبحت على كل لسان".
    وتضيف الضحية: "وكأن ما تعرضت له يعيبني أنا!! والجيران أصبحت نظراتهم وهمساتهم تجرحني وتحرج كل فرد من أفراد أسرتي كلما مر أحدنا في الشارع.. والعائلة الكبيرة قاطعتنا لأننا تسببنا في حبس ابنهم الشاب.. واضطررنا لترك منزلنا والرحيل إلى جهة أخرى لا يعرفنا فيها أحد.. كما لو أنني المجرمة وأبي وأسرتي المتسترون على الجريمة.. بل أن بعض أخوتي وأخواتي لاموني لعدم الموافقة على الزواج منه.. أما أنا فقد كنت مصممة وعنيدة.. ولذا أنا أمامك اليوم..".
    وتكمل خضر التي كانت تمارس مهنة المحاماة حينها: "كانت المحكمة قد عينتني خبيرة لتقدير الضرر المادي والمعنوي الذي أصاب هذه الفتاة المجني عليها.. كم أشعر بالتقدير والعرفان للمحكمة التي حرصت على تسميتي كخبيرة أنثى لهذه المهمة.. حيث اكتشفت هذه المادة الرهيبة 308 في قانون العقوبات.. وتساءلت كم من الضحايا أرغمن على الزواج سنداً إليها .. وكم من الجناة أفلتوا من العقاب بفضلها.. أما الجاني فقد تمت إدانته وقررت المحكمة حبسه خمسة عشر عاماً خفضت إلى النصف بسبب إسقاط الأب للحق الشخصي تحت ضغط العائلة شرط إلزامه بدفع التعويضات كما ورد في تقرير الخبرة الذي اعتمدته المحكمة وهو الشرط الذي تمسكت به الفتاة ..".
    وتضيف خضر "بعد سنوات فوجئت باتصال هاتفي منها.. قالت .. أنا الآن طالبة في كلية الطب.. وعلى وشك التخرج ولي زميل أستلطفه ويعجبني يتقرب مني ويريد أن يتزوجني.. أنا خائفة.. أريد نصيحتك.. هل أخبره بما حدث لي؟؟؟ أخشى أن يبتعد .. تحادثنا مطولا وفي النهاية.. صممت للمرة الثانية على استجماع شجاعتها، ختمت المحادثة بقولها .. إن لم يتفهم.. فهو لا يلائمني.. أخبرتني فيما بعد أنها صارحته بكل شيء، وأنه تفهم بل وعبر لها عن تقديره لموقفها .. وأنهما تزوجا ويعملان في بلد عربي ..".
    تقول خضر "هذه الفتاة الاستثنائية واجهت المادة 308 .. هي وأسرتها الصغيرة وخاصة والدها تحملوا معها حملا ثقيلا .. ولكن كم فتاة وكم أسرة امتلكت القدرة والإرادة على التحمل والمواجهة وكم ضحية سقطت في الفخ ؟؟". و"لماذا تدفع الضحايا هذا الثمن ؟؟ ويتمتع الجناة بهذا القدر من التسامح الذي يبدو كتشجيع على الجريمة؟ أسئلة استمرت تقرع رأسي ..
    لهذه الطبيبة الرائعة ولزوجها وأسرتها أحب إهداء هذا الجهد لأنهم من أهم الحوافز التي دفعتنا إلى تأسيس "تضامن.. أردنا أن نجعل مساندتنا لحقوق الفتيات والنساء في مواجهة الظلم والتمييز والعنف واهدار الحقوق.. مساندة مؤسسية مستمرة".
    وتعلق خضر على هذه القصة فتقول: "وها نحن بعد كل هذه السنوات ما زلنا نسعى لإقناع المجتمع الأردني بضرورة إلغاء المادة 308 من قانون العقوبات، والتي لا أساس لها في تراثنا الفقهي والقانوني.. هذه المادة الوافدة إلينا من العصور الوسطى المظلمة في أوروبا، هي بلا شك وصمة في جبين نظام العدالة الجنائية الأردني، وهي للأسف مادة تجد من يدافع عن بقائها رغم أنها ألغيت من عدد من قوانين العقوبات كالمغرب ومصر.. يدافعون عنها بذريعة أن بعض الجرائم الجنسية رضائية.. أي تناقض هذا؟ فنحن نعلم أن رضا الشخص البالغ يهدم ركناً من أركان الجريمة فلا يصح التجريم.. وإذا كانت المواقعة رضائية فهناك أحكام قانونية أخرى تعالجها.. فلتسقط العقوبة أو توقف الملاحقة مثلا في جريمة الزنا إذا تزوج الطرفان.. أو جريمة فض البكارة بوعد الزواج، أو جريمة الخطف بهدف الزواج إذا تم الزواج – مع تحفظي على الزواج حتى في هذه الحالات، لأنه يفتقد كامل الرضا لدى الطرفين – أما إذا كانت الضحية قاصرا فلا يجب أن يعتد برضاها، حتى لو ثبت، إذ لا بد من نصوص تحمي الأطفال من الاعتداءات الجنسية في كل الأحوال بحيث يطبق القانون دون أية مواربة أو مخرج قانوني للجاني.. لإنه بذلك فقط يدرك الجناة أن لا مفر من العقوبة وبذلك يتحقق الردع القانوني العام والخاص المرجو".
    أما إشكالية الحمل الناشئ عن مثل هذه الجرائم، فلطالما دعونا - تقول خضر- إلى معالجة الأمر بالنص على قانونية الإجهاض الناشئ عن الاغتصاب لسهولة اكتشاف الحمل في مرحلة مبكرة جداً، وإذا تعذر الإجهاض أو لم يتم فلماذا لا يتم نسب الطفل إلى الجاني أو إلزامه بالإنفاق عليه على الأقل ضماناً لحقوق هذا الطفل بعد أن تم إدخال مبدأ إثبات النسب بالأدلة العلمية في قانون الأحوال الشخصية. إن العلماء والمشرعين مدعوون لإيجاد الحلول الشرعية والقانونية والمناسبة لمراعاة مصلحة الطفل الفضلى في هذه الأحوال.
    وأخيراً، لا بد من القول أن القانون الذي يسهم في تحقيق العدالة والنهوض بالمجتمعات هو الذي يساعد المجتمع على التخلص من ممارساته التقليدية الضارة والمنحازة والبالية، وليس القانون الذي يرضخ لها. على القانون أن يتقدم بنا نحو المستقبل وأن لا يبقى إلا على ما هو مشرق وعادل وأصيل في تشريعاتنا.
    إن التغيير مسؤولية تتطلب شجاعة في الحق وجرأة في إتخاذ القرارات، كما تتطلب وضوحاً في الرؤية وإرادة وتصميم كالذي كان في عيني تلك الفتاة التي حدثتكم عنها، تقول خضر.
    تسعى هذه الدراسة إلى مزيد من الفهم.. فهم المجتمع.. والقانون والاتجاهات والمواقف، فهم الدوافع والنتائج والظروف فهم المعاناة كما تهدف إلى إثارة نقاش مجتمعي جاد ومسؤول، وتسهيل حشد التأييد للوقاية من الجرائم الجنسية ولحماية الناجيات من مثل هذه الجرائم.. وملاحقة ومساءلة ومعاقبة الجناة من أجل عدالة جنائية حقيقية أساسها صون الكرامة وتحقيق المساواة".
    وفي ظل هذه المعطيات، فإن "تضامن" والتحالف المدني الأردني لإلغاء المادة 308 يطالبان الحكومة ومجلس الأمة الاستجابة للمطالب التي عبرت عنها الحركة النسائية في الأردن منذ سنوات، والوفاء بالتزاماته خاصة أمام اللجان الدولية، والعمل سريعاً على إلغاء نص المادة 308 لإنهاء سياسة الافلات من العقاب ولتحقيق العدالة الجنائية للنساء والفتيات ولإنهاء النصوص التمييزية ضدهن في التشريعات خاصة قانون العقوبات.
    يذكر أن مشروع "نجاة – معاً لملاحقة الجناة وحماية النساء الناجيات من جرائم العنف الجنسي" بدعم من الشعب الأميركي ومن خلال المنحة المقدمة من برنامج USAID لدعم مبادرات المجتمع المدني والمنفذ من قبل منظمة صحة الأسرة الدولية FHI 360 وبتمويل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID). ويعتبر هذا المحتوى من مسؤولية "تضامن" ولا يعكس بالضرورة آراء الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) أو آراء الحكومة الأميركية أو حتى آراء منظمة صحة الأسرة الدولية FHI 360.


    التعليق