"أمي" رمزية الأم بين الواقع والسينما بتجربة موريتي

تم نشره في الأربعاء 2 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • مشهدان من "أمي" - (أرشيفية)

إسراء الردايدة

عمان- تجربة فريدة تلك التي يقدمها المخرج الإيطالي ناني موريتي في فيلمه "أمي"، بوحي من خبرة شخصية وعلاقته مع والدته التي توفيت خلال تصويره عمله وهو بعيد عنها.
العرض افتتح، أول من أمس، فعاليات الدورة الثانية لأيام الفيلم الإيطالي في عمان في مسرح الريبنو بالتعاون مع الهيئة الملكية للأفلام والسفارة الإيطالية في الأردن بحضور السفير جيوفاني براوزي ومدير عام الهيئة جورج داوود، كما واكتظ المسرح وممراته بالحضور الكثيف للمشاهدة.
"أمي"، فيلم رمزي يغوص في شخصياته وأوضاعها عبر طرح تساؤلات لكل واحدة منه بطريقة غامضة تارة وأخرة واضحة للعيان عبر دراما واقعية، تكشف رمزية الأم بالنسبة لمورتي بين علاقته مع أمه وبين علاقة المخرج مع السينما ودورها في صقل الشخصية والمخيلة؛ إذ جسده في فيلمه بعلاقة الابنة التي تعمل مخرجة مع والدتها وانعكاسات كل ذلك على عملها وتصوير الفيلم.
مورتي أيضا حاضر في الفيلم ليس كمخرج وكاتب وحسب، بل كممثل يلعب دور الابن "جيوفاني" على وشك التقاعد من عمله، تربطه علاقة قوية بوالدته وأكثر حنانا وتفهما لها بخلاف الابنة مارغريتا التي لعبت دورها الممثلة مارغريتا باي، بدورها كمخرجة تحاول إنجاز فيلم عن المطالبات العمالية لعمال مصنع على وشك الإغلاق نتيجة مصاعب اقتصادية تدفعهم للتمرد على مالكه الأميركي الجديد.
وفي خضم رحلة تصوير الفيلم الخاص بها، تواجه أيضا مشاكل أخرى بحياتها وعلاقتها مع ابنتها وحبيبها السابق ومرض والدتها، مقابل شخصية جيواني "مورتي" ذي الشخصية الهادئة المتحكمة بالظروف والمسيطر الذي تعتمد عليه شقيقته كسند لها، فيما دور الأم نفسها لعبته الممثلة جوليا لازرياني بإحساس صادق بمثل صعوبة سنها وخبرتها في الحياة إلى جانب أثرها على أطفالها.
وفي هذا الفيلم أيضا، يعيد موريتي تقديم مواضيع السينما والحياة بثنائية مترابطة، تحل فيها الروابط الأسرية وتصبح مرآة لمجتمعه وتغيراته في كوميديا سوداء واقعية ترسم عالما حساسا أساسه الأم في كل شيء بكل صورها ورمزيتها.
فمثلا المخرجة مارغريتا وتأثرها بأمها ينعكس على أدائها وعلاقاتها لتجد نفسها تعود إليها في أشد لحظاتها ضعفا وقلقا متذكرة كل شيء واعتمادها عليها، لترى أحلاما سينمائية حية من تاريخها الشخصي، ما يوقظ بداخلها شعور بالذنب لأمور اقترفتها، وسط صعوبة تقبل فكرة أن والدتها تحتضر.
أما الأم نفسها فعكست الجيل القديم المثقف في المجتمع الإيطالي، وهنا حنكة مورتي بربط الأوضاع الاجتماعية بالأوضاع العائلية، فالأم متقاعدة من تدريس اللغة اللاتينية الذي استمر لأجيال، فيما حفيدتها تواجه صعوبات في فهمها وأهميتها للتفكير المنطقي، وفي المقابل فيلم الابنة عن الأوضاع في أحد المصانع، واضطرار العمال للعصيان ما هو إلا التقطات حية لما تمر به الدول الأوروبية من أزمات وبطالة ومشاكل عمالية، فيما الحضور الأميركي والعامل المؤثر في عدد كبير منها تمثل بمشاركة الممثل الأميركي جون تورتور بدور "باري هاغغنغز" المتعطش للنجومية رغم أفول نجمه.
وبين التقاطات مختلفة لموريتي في فيلمه، فهو فيلم متماسك للمخرج عبر الأزمات الشخصية والحيرة بين الحياة المهنية وما يطمح اليه الفرد وما تعنيه مواجهة الظروف الصعبة، فيما الفيلم بالتأكيد أمر شخصي لمخرجه، وحول فيه مشهد موت الأم لواحد من أكثر المشاهد صعوبة، خصوصا في لحظة موتها التي قلبت موازين كل شيء، وأحداثه ونقطة تحول مفصلية مهمة تركت أثرها بدون شك في كل من شاهد الفيلم.
أما الإخراج بين حضور المخرج أمام وخلف الكاميرا فيتيح للمشاهد تجربة القلق، التي تنتاب العالمين في السينما ومصاعبها التي تخفي خلف كل إبداع ألم وتجربة صعبة تسهم في تكوين رؤية المخرج نفسه، وبين صعوبة الحفاظ وموزانة العلاقات الشخصية والعملية.
ويبقى القول إن "ميا مادري" عنوان الفيلم بالإيطالية، هي دراما متداخلة تستند للسينما الواقعية الإيطالية التي دفعت شخصياتها للاعتراف بكل ما فيها بصراحة من مخرج سرد التعقيدات في المهنة، وسبق له أن فاز بالسعفة الذهبية عن فيلمه "غرفة الابن" وبجائزة الإخراج العام 1994، وعاد إليه مرة أخرى بفيلم "هابموس بابام" العام 2011، وفاز بالسعفة الذهبية العام 2001 عن "مذكرات".

israa.alhamad@alghad.jo

التعليق