ليس هذا هو التحدي الذي يواجه العالم؟

تم نشره في الأربعاء 2 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً

فؤاد البطاينة

في هروب واضح من المسؤولية، ما يزال العالم الرسمي يتغاضى عن تحديد الأسباب الحقيقية للإرهاب، ومن ثم مواجهتها، وذلك خطوة استراتيجية وأساسية لا يمكن من دونها القضاء على الإرهاب. إذ إنه ظاهرة غير معزولة عن السياسة الدولية ونتائجها وتداعياتها، بصرف النظر عن النظريات التسبيبية الغربية الساقطة تاريخيا وعقديا وفكريا.
فالعرب والمسلمون لم يمارسوا الإرهاب كما مارسه غيرهم. واليوم هم كلهم ضحاياه، ولاسيما الفلسطينيون. إن الدول الأوروبية ما تزال تتحدث عن استراتيجية لهزيمة تنظيم "داعش" ومثيلاته، لا عن هزيمة الإرهاب، و"داعش" كما غيره هو مجرد مظهر من مظاهر الإرهاب، وذراع من أذرعه المتجددة التي لا تنتهي ما دام ربيعها قائما وبذورها منتشرة. فالإرهاب لا ينتهي بمجرد استهداف تلك التنظيمات أو الانتصار عليها، بل ينتهي باستهداف بيئته وماكينات تفريخه وتسمينه.
إنه لمن المحبط أن نرى الدول العظمى والكبرى تدرك هذه الحقيقة وتتجاهلها، لجشعها وإصرارها على تقديم مصالحها الخاصة على مصلحة السلم والأمن الدوليين. فنراها تتجنب الهدف والفكرة معا، حين تستجمع قواها وتهاجم المنظمات الإرهابية بداعي الانتقام لنفسها عندما تهاجم من قبلها، ثم تعود لسياساتها السابقة بعد انتهاء المهمة. فالرئيس الأميركي باراك أوباما أصبح يربط هدف التغيير في سورية بمحاربة "داعش"، وليس لحاجة تخص الوضع السوري. والدول المحاربة للتنظيم تربط زخم مشاركتها في القتال بمصالحها المتضاربة أحيانا، وتحدد حتى أهدافها العسكرية طبقا لمصالحها  في حرب يفترض أنها واحدة.
ما أريد قوله هو أن أميركا وروسيا والحكومات الأوروبية تشغل العالم بحرب على "داعش" أو "القاعدة" في خداع واضح للنفس، وإيهام للشعوب بأن القضاء عليهما ينهي الإرهاب ويشيع الأمن والاستقرار في العالم. وهم  بهذا السلوك المعزول عن حرب موازية على المسببات الحقيقية للإرهاب قربانا لمصالحهم الذاتية، سيدخلون أنفسهم والعالم في فوضى سياسية وأمنية، ويزرعون بذورا جديدة للعنف، ولخلق منظمات جديدة للإرهاب، لن تبقى خارجها دولة أو فرد، وحتى نصل إلى بيئة الحرب العالمية الثالثة ونظام دولي جديد.
لقد أنتجت الحرب العالمية الأولى نظام عصبة الأمم. لكنه سقط، لفشله في تحقيق الأمن الجماعي الذي يحمي الشعوب المستضعفة وحقوقها. فقامت الحرب العالمية الثانية وأنتجت نظام الأمم المتحدة. وها هو يتهاوى لإصرار صائغي الميثاق على تكرار السبب نفسه مما يسبب سقوط  المنظمة ويهيئ لحرب عالمية ثالثة، إذا لم تتم إعادة صياغة ميثاق الأمم المتحدة مسبقا بشكل يرسخ ديمقراطيتها ويعيد إلى الجمعية العامة التي تمثل المجتمع الدولي وضميره، الحقوق التي سطا عليها الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن الدولي. وهذا وحده ما يرسخ السلم والأمن الدوليين اللذين لا يقومان إلا على العدل وحماية حقوق الشعوب في أوطانها وثرواتها. 
إن الارهاب هو وليد شرعي لغياب مفهوم الأمن الجماعي في عالمنا. وأصوله موجودة في سلوك أميركا وأوروبا السياسي والاقتصادي، مع عجز قيادات الشعوب المستضعفة عن التأثير. فمن ناحية سياسية، لم يحدثنا التاريخ عما يوازي التواطؤ والتخاذل الدولي القائم إزاء قضية جلية سياسيا وقانونيا وانسانيا كقضية الشعب الفلسطيني، حتى امتد تأثيرها السلبي ليعم  شعوب العالم ودوله. وإن عقودا من التغاضي والدعم لسلوك الكيان الصهيوني في فلسطين جعلت منه وحشا كاسرا فوق القانون الدولي والإنساني، وجعلت من إرهابه مفرخة للإرهاب، حتى فتك هذا السلوك بكل القيم ومصداقيتها وبثقة كل شعوب العالم ونخبه في النظام الدولي القائم. مما ولد يأسا لدى كل معايش لما يجري، وثورة في النفوس على واقع النظام الدولي. وهذا ما يفسر سهولة استقطاب الشباب العربي والمسلم من قبل أذرع الإرهاب. وهذا في الواقع، هو التحدي الكبير الذي يواجه العالم.
ومن ناحية أخرى إنسانية لا تقل أهمية، فإن التمييز والتهميش الاقتصادي والاجتماعي، ونهب موارد الشعوب، أصبحت  سببا آخر لتشكل الإرهاب وبقائه، ومصدرا يغذي منظماته. وإن أميركا والغرب عموما هما المتسبب والمستفيد سياسيا واقتصاديا ورفاها من هذا الخلل. ومن المنطقي حين لا تتوفر الإرادة السياسية لمواجهة تلك الأسباب، أن تعمد هذه الدول إلى أسلوب المشاغلة والتعاطي مع مظاهر الإرهاب فقط. فتلجأ إلى اختراق واستخدام منظماته لتصبح بدورها لاعبا في سياسات تلك الدول الدولية والمحلية، حين تغذي الإرهاب من أجل مهمة معينة، ثم يعودون لينقضوا عليه عند انتهاء المهمة. ويبدو أن المهمة التي على أساسها أطلقت يد التنظيمات الإرهابية في سورية، وعلى رأسها "داعش"، قد وصلت لنهايتها بالنسبة لبعض الأطراف. وربما يكون إنشاء جيش سورية الجديد من المؤشرات القوية على ذلك.  
الإرهاب ليس فكرا، بل هو سلوك وممارسة غير سويين لا يتجزآن، لتحقيق أهداف شاذة وغير مشروعة حين تتوفر البيئة المناسبة، وهذه تخلق بدورها فكرا؛ فلا تفريق بين ممارس وآخر للإرهاب، وإسرائيل ما تزال تمعن في استخدامه، ومن شأن عدم إيقافها وعدم تمكين الشعب الفلسطيني من استعادة حقوقه أو مقاومة إرهابها واحتلالها أن يخلق الفكر اليائس والمحفزات على خلق منظمات إرهابية مافيوية تتغذى وتستقطب من جيش اليائسين والمحرومين والمستهدفين المتنامي ليأخذ شكل الإرهاب المضاد. وكذا ما تزال دول الشمال تبني مصالحها وثراءها ورفاهها على حساب شعوب الجنوب. فلا ود بين الفقر والثراء، ولا سلام بين السارق والمسروق، ولا تعايش بين الظالم والمظلوم. والانتصار على "داعش" وكل التنظيمات يستلزم الانتصار على السياسات الدولية المنتجة للإرهاب.

التعليق