زلزال رختر!

تم نشره في الأربعاء 2 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً

د. رجائي الجاعوني

يكابد عالمنا العربي، منذ سنوات، أشد أنواع مرارة العيش، من قتل بالآلاف وتشريد بالملايين، كما الدمار الذي يخجل منه أي زلزال مهما كانت رتبته على مؤشر رختر. ثم تخرج الإحصاءات بأن هناك ثلاثة عشر مليون طفل في عمر الدراسة محرومين من المدارس! ما يعني أن الأمية ستتفشى، والجهل سيسكن عقولنا حتى نعود أمة لا تقرأ ولا تكتب.
إنهم الآن متجهون إلى القارة الأوروبية هرباً من الجوع والبطالة والفقر والمرض، وحماية لأرواحهم من نار زلازل القرن الواحد والعشرين، في مغامرة تقترب من الانتحار. وقد جَرّبوا الصمود بهجرات داخلية وأخرى إلى دول مجاورة أطعمتهم آوتهم، لكن إلى متى وكرامتهم تصرخ مأسورة، إلى متى والفقر سيدهم، إلى متى وهم في سوق النخاسة سلعة رخيصة للبعض، وغالية إن انبهر التاجر بالجمال وحسن القوام؟!
على قارب مطاطي حُشروا وماجوا عند كل رقصة موت. صُراخهم يتشتت في فضاء بات لا يتسع لنحيب أم ابتلع الماء طفلها، أو آهة مرارة من كهل لفظه الوطن.
كالسندباد في مغامراته واكتشافاته، حفظوا جغرافيا البحر الأبيض المتوسط بعرض أهواله وصخب هديره، وحفظوا جغرافيا الحضن البديل، ابتداء من تركيا الحدود وحتى بلاد الجليد في أقصى الشمال الأوروبي. يتنقلون وحقيبة على الظهر ثقيلة بغذاء وحليب طفل ودواء، وربما تحافظ على توازن الرحالة خلال السير عبر الحقول، هبوطاً إلى الأودية أو صعوداً إلى تلال يسكنها الهواء البارد الطارد للغرباء.. وصولاً لمدينة تَحْشُد قواتها المعتمرين خوذات حرب كادت ان تصدأ في مخازنها للسلام الممتد من الحرب الكونية الأخيرة وحتى حرب اللاجئين. وبين كَر وفَر تحدد المسارات، على سلك السيرك يعبرون، وإلا نالوا ما يسبب كسر العظام أو نبع دم هو ما تبقى بعد جوع ورحيل!
هل كانت تعلم أوروبا التي يُقال أن اسمها اتُخِذ من اسم اميرة عربية تزوجها ملك في غابر الزمان، هجرة نصف مليون سوري وآلاف من العراقيين والليبيين، وقد يتبعهم يمنيون، لكن ربما إلى الجنوب؛ إلى قارة استراليا أو نيوزيلندا؟ ثم لا ندري عن آخرين على أكتافهم المتاع معلق على عصا الترحال، إليها يهاجرون بعد حروب بلغت مداها من خمس سنوات إلى أكثر من عقد؟
هل تُعاني تلك الدول الأوروبية حقاً ضائقة برغم اتساع أراضيها ووفرة مصانعها وطوفان دولاراتها، بسبب حفنة رجال ونساء يسيرون شبه حفاة لاهتراء أحذيتهم من مسيرات أرض غريبة، تلتفت إليهم أحياناً بعين العطف وأخرى بازدراء وقرف!
بالتأكيد، فإن سياسييها ومفكريها ومن تخصص بالتحليل كانوا يعلمون جيداً أن لكل فعل رد فعل. وما رد فعل الحروب وكوارثها إلا الهرب من الموت إلى مكان آمن، وإن كانوا لا يتوقعون الأعداد الهائلة من مختلف الأعمار، هائمين على وجوههم سعيا للنجاة من الغرق.
لكن، أي مصير ينتظرهم؟ بينهم الكثير من المتعلمين الجامعيين، منهم الطبيب والمهندس، والفني الذي احترق محلّه بما حوى من فن وتعب.. إلى عازف البيانو الشاب الذي حاول تهريب آلته إلى مكان آمن فباغته تنظيم "داعش" بفتواه بتحريم الفن! واحترق دم الشاب وهو يشاهد صديق عمره يذوب ويذوي بلهيب مُستبد جاهل.
الحل الذي تتناقله وسائل الإعلام قبل المسؤولين والمفكرين، هو: أوقفوا الحرب تزول كل المشاكل الناتجة عنها! لكن كيف وصب الزيت على الحرائق متواصل؟ كيف والمستفيدون كُثُر؟ كيف وتجارة الحرب رائجة وأرباحها عالية؟ كيف والخلاف على توزيع الأرباح قائم وعلى أشده؟!
أوقفوا الحرب وإلا تَشكل أطفالنا بطيف غربي لا يملك إلا أن يصحو ذات ذكرى وخيال وطن، ليسأل: من أنا؟ يقول والدي إننا عرب.. في المدرسة تؤكد معلمتي أنني أوروبي! كما يصحو العامل منا بعد سهرة صخب بين زملاء عيونهم ملونة ولسانهم يموج بلغة لم أسمعها من أمي!
أسكنوهم على مشارف مدينة ليس فيها مكان لهم، معزولون في "غيتو"، تتجسس عليهم عيون الكاميرات من كل صوب، لأنهم أتوا من بلاد البارود، من بلاد يقتل فيها الأخ أخاه وتغتال عصابات كل شيء يتحرك عكس مسيراتهم. وسيسمعون الهمس كلما غدوا وراحوا: احذروا، هؤلاء بلا حضارة، فقدوا إنسانيتهم أثناء حروب على الأرض.. كما سقطت كرامتهم في بحر حَمَلَهم إلينا. لن نثق بهم حتى يُثبتوا لنا أنهم أصدقاء أوفياء، يعيشون كما حياتنا وأعمالنا إلى أن يذوب لونهم وثقافتهم في قالب سنُعده لهم.
أوقفوا الحرب لتشرق شمس الشرق، ويبتسم للحصادين قمر ينير حضارة اختلطت ببحيرات نفط في باطن أرض طواها النسيان وباتت للمعارك مسرحاً ومَقْتَلاً!
والطريق إلى وقف المعارك والعيش بسلام تكمن في كلمات مختصرة تعبر عن حكمة واستشراف مستقبل مزدهر آمن، قالها صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب من سبع نقاط وجهه إلى المجتمع الدولي، وأقتبس منه: 
"جميعنا نعلم بأن الطريق أمامنا ما تزال طويلة، ولكننا نستطيع اجتيازها بنجاح عبر العمل الجماعي والتطوير المستمر في الاستراتيجية الخاصة بنا، وزيادة مستوى التنسيق بين دول التحالف. وعلينا أيضاً التصدي بشكل أكثر فاعلية لمسألة استمرار تدفق المقاتلين الأجانب، وإغلاق قنوات الدعم لعصابة داعش عبر بعض المناطق الحدودية".

التعليق