الحجر.. النفق.. السكين

تم نشره في الأربعاء 2 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً

 

يديعوت أحرونوت

يرون لندن  1/12/2015

كل واحدة من انفجارات العنف الفلسطينية تميزت بسلاح أساسي استخدمه المهاجمون. نوع السلاح يؤثر على نتائج المعركة ليس فقط من ناحية عدد الضحايا والجرحى، بل وأيضا من ناحية الرواسب النفسية والمعاني الرمزية التي يخلفها. وسأستخدم نموذجين حتى أصل إلى تأثير حرب السكاكين:
في الانتفاضة الأولى رجمنا بالحجارة. لقد غير استخدام السلاح العتيق دفعة واحدة صورة إسرائيل. ومنذئذ لم تعد تشبه صورة الراعي من بيت لحم بل صورة الجبار. وستذكر حملة الجرف الصامد كحرب الصواريخ والأنفاق حيث جدد الاعتراض الناجح على الصواريخ ثقتنا بالرأس اليهودي الذي يخترع لنا الابتكارات، ولكن الأنفاق – وسيلة بدائية أخرى – أثارت أعصابنا بالفهم المجازي المباشر للغاية: فقد هزت الأرض من تحت أقدامنا. لقد أبلغنا الفلسطينيون بأننا حتى لو سيطرنا على وجه الأرض وفي الأعالي، فليس بوسعنا أن نسيطر على الأعماق المظلمة التي تقضم فيها الأفعى، الفأر، القنفد والاشباح.  ويمكن أن نصنف وسائل الهجوم حسب مدى القرب الجسدي الذي بين المهاجمين والمعتدى عليهم. فحملة السكاكين يقلصون المسافة إلى مدى الذراع. ولهذا القرب الجسدي الذي بين المهاجم وضحيته يوجد معنى نفسي تنطوي عليه الجملة التي خلفها إيهود باراك: "رؤية بياض العينين". فالطاعن يتنازل عن المسافة التي تحميه من الصعوبة النفسية لقتل إنسان، ويواجه الاحتمال المعقول بأن يُقتل قبل أن يَقتل، أو أن يُقتل فور أن يهجم على ضحيته.
هكذا فعل إيهود بن غارا، الذي تسلل إلى غرفة راحة الملك عجلون، ملك مؤاب وطعنه بحربة قصيرة. فهل كان اغتيال الملك السمين عملا بطوليا أم فعلا دنيئا؟ كل شيء حسب نظرة الناظر، وحقيقة هي أن "إيهود" هو أحد الأسماء الشائعة جدا بين أولاد الصهاينة.
الوسيلة الأكثر فتكا، العبوة الناسفة والصاروخ، ليست بالذات الأكثر إخافة – ولعلها ليست الكفيلة بأن تكون الأكثر تأثيرا على وعي المعتدى عليهم. وسيلة الكفاح الأبسط، الأكثر توفرا، هي التي تثير خوفا أكبر لأنها تخفى في جسد المهاجم واستخدامها يدل على جسارته ويأسه. فهو يتطلع إلى الموت وضد هذه الأمنية لن تجدي أي وسيلة ردع. فضارب السكين هو ميت يسير على قدمين، شبح، مخلوق تحرر من غريزة الوجود. لم يبعث أحد به ولم يؤهله للمهمة. لا يمكن التوقع كيف سيكون شكله، من أين سيأتي وما هي "قصته". وهو كفيل بأن يكون كل واحدة وواحدة، أن يظهر من كل مكان وأن يضرب دون تخطيط مسبق. ولما كان هكذا هو الحال، فيمكن إحباط مأربه بعد أن يكون حاول إخراجه إلى حيز التنفيذ. وعندها رمشة عين فقط تفصل بين عمل المهاجم وعمل المدافع.
حامل السكين ليس إرهابيا حسب التعريفات الدارجة. فالإرهاب هو عمل عنيف متطرف يستهدف تحقيق هدف سياسي، هو إسقاط المجموعة التي تكون عرضة للهجوم بوسائل تخرج عن القيود التي فرضتها على نفسها الحضارات السليمة. والإرهاب العالمي بأهدافه سيفضل رموز الحكم (زعيما سياسيا أو مبنى يمثل قوة الخصم)، ولكنه لن يتردد في القتل الجماعي، الفعل الذي يضعف الأمن الذاتي للمعتدى عليهم ويشوش أنظمة حياتهم. المجموعة المعتدى عليها تضطر لأن تستثمر جهودا كبيرة في الدفاع عن نفسها من الاغتيالات التي تكلف المهاجرين ثمنا متدنيا.  ولكن حملة السكاكين الفلسطينيين لا يفكرون تفكيرا استراتيجيا. فهم يتحركون بالغضب الفظيع واليأس التام. وهذه دوافع لا يعرف أي خبير عسكري كيف ينتصر عليها.

التعليق