لقاءان مع كونداليزا ومادلين.. بين الرعونة والأسف

تم نشره في الخميس 3 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • مواطنون عراقيون يعاينون أثر انفجار سيارة مفخخة جنوب بغداد في نيسان الماضي - (أ ف ب)

د. مي الطاهر*

"نحن لا نأسف على احتلالنا للعراق"؛ بهذه العبارة استهلت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس كلماتها، في معرض ردها على مداخلتي التي علقت فيها على محاضرة لها ألقتها في آب (أغسطس) 2015، في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا.
كنت قد ركزت مداخلتي على كثرة الإدعاءات التي أطلقتها الولايات المتحدة لتبرير قرارها غزو العراق واحتلاله. إذ بعد حرب تحرير الكويت العام 1991، استمرت الولايات المتحدة في تصعيد سياساتها العدائية للعراق؛ فإلى جانب الحصار الجوي والعقوبات الدولية، أدرج العراق ضمن "الأنظمة المارقة" والدكتاتورية التي يجب القضاء عليها، علماً أن الغالبية الساحقة من الدول العربية تحكمها أنظمة شمولية أو سلطوية، عدا عن وجود أكثر من أربعين نظاماً سياسياً في العالم يفتقر الى الحد الأدنى من أسس الحكم الديمقراطي.
كما اتهمت إدارة جورج بوش الابن نظام صدام حسين بتصنيع وامتلاك "أسلحة دمار شامل"، رغم أن خبراء الولايات المتحدة نفسها، ناهيك عن المفتشين الدوليين، أكدوا خلو العراق من هذه الأسلحة. بل إن الموعد النهائي للعمليات العسكرية الأميركية في العام 2003 حدد قبل أن تنهي فرق التفتيش الدولية أعمالها في العراق.
والأنكى من ذلك أن الإدارة الأميركية فبركت مزاعم عن وجود علاقات ما بين نظام صدام حسين وتنظيم "القاعدة" بزعامة أسامة بن لادن، لا بل اتهمته أيضاً بالضلوع في هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك!
كما رفع بوش الابن شعار تحويل العراق إلى واحة ونموذج لنشر الديمقراطية في العالم العربي والشرق الأوسط، عن طريق احتلاله وفرض دستور ونظام سياسي قائم على المحاصصة الطائفية والإثنية. وكان من سخرية القدر أن يدفع العراقيون إلى صناديق الاقتراع، في وقت كانوا يفتقدون فيه أساسيات الحياة؛ من مياه وكهرباء وأمان في منازلهم، كما السيادة على أرضهم بعد احتلالها وحلّ الجيش العراقي.
وأخيراً، قُدمت حجة أخرى لتبرير غزو واحتلال العراق، ألا وهي: "التخلص من بلد يقلق جيرانه ويهدد استقرار أمن المنطقة"، علماً أن المسؤول الأول عن الاضطراب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط هو الكيان الإسرائيلي، المستمر منذ سبعة عقود.
بهذه العبارات الواضحة وضعت مداخلتي على محاضرة الوزيرة كونداليزا رايس، التي لم تتوان عن التصدي لها نقطة نقطة.
إذ بدأت بجملة تأكيدية: "إن إسرائيل دولة وجدت لكي تبقى". وتابعت أنها "غير آسفة على احتلال أميركا للعراق، وأن ذلك كان عملاً ضرورياً". قالت هذا بعد نحو اثني عشر عاماً على افتضاح زيف مبررات غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين.
ولم تنكر أن هدف الإدارة الأميركية كان القضاء على شخص صدام حسين، بل فاجأت الحضور بتأكيد ذلك عبر القول: كان علينا التخلص من صدام حسين "لأنه كان متورطاً بشكل مباشر في عملية محاولة اغتيال الرئيس جورج بوش الأب".
ورغم أني متابعة دائمة للسياسة العراقية بشكل حثيث على مدار العقدين الأخيرين، إلا أنني أعترف أنني لم أسمع مثل هذا الاتهام من قبل، خاصة أن عملية الاغتيال المزعومة تعود إلى العام 1993، أي قبل عقد كامل من احتلال العراق!
واختتمت رايس إجابتها بعبارة موجهة لي ومثيرة للاستغراب، إذ لا تمت بصلة لموضوع النقاش، ومضمونها: "على فكرة، بلدك الأردن الذي تنتمين إليه، هو أكثر بلد يتلقى المساعدات الأميركية، ولولا المعونة الأميركية لبلدك لما استطاع أن يعيش شعبه ولا أن يصمد في وجه التحديات في المنطقة".
بهذه الرعونة والغطرسة، عبرت رايس، التي تولت حقيبة الخارجية في عهد بوش الإبن، عن رأيها تجاه إسرائيل والعراق والأردن.
شاءت الأقدار أن ألتقي لاحقاً، وبالتحديد قبل أسبوعين، بمادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية أيضا في عهد الرئيس بيل كلينتون، في جامعة جورج تاون بواشنطن.
وبعد الاستماع إلى كلمتها، بادرت بتوجيه سؤال لها عن سبب التأخر الأميركي في التدخل العسكري في سورية، على النقيض من الموقف الأميركي السابق في العراق، رغم تشابه الحالتين إلى حد ما، بل ووجود أسباب تعزز التدخل الأميركي في سورية، منها وجود مطالب للمعارضة السورية المعتدلة ومطالبة عربية بالتدخل لوقف القتال الدائر هناك منذ أكثر من أربع سنوات.
وقمت بوضع ثلاث فرضيات أمام الوزيرة السابقة، ربما تعيق إحداها التدخل الأميركي المباشر في الشأن السوري، وهي: أن يكون نظام بشار الأسد حليفاً خفياً لأميركا في المنطقة، أو لوجود حاجة لدور مرسوم لنظام الأسد يلعبه في المرحلة الراهنة مع عمليات تدمير عصابة "داعش" في المنطقة، أو بسبب عدم وجود نظام بديل جاهز لتولي الحكم في سورية في الوقت الحالي.
استهلت أولبرايت إجابتها بالتوضيح أن الولايات المتحدة تعلمت درساً قاسياً عندما تدخلت عسكرياً في العراق، وأن الرئاسة والكونغرس والشعب الأميركي مُصرون على عدم تكرار هذه الغلطة التي تورطت الولايات المتحدة فيها سابقاً، معربة على أسفها للتدخل العسكري في العراق.
وتابعت الوزيرة أن نظام الأسد ليس صديقاً ولا حليفاً للولايات المتحدة، وأن الرئيس أوباما أعلن في وقت سابق أن على هذا النظام أن يرحل، وأنه بالفعل، لا يوجد في ذهن الإدارة الأميركية بديل فوري جاهز لتسلم الرئاسة في سورية بالوقت الراهن.
ومن باب المصادفة المحضة، اختتمت الوزيرة مداخلتها بتوجيه عبارة مباشرة، بأن قالت: "على فكرة، بلدك الأردن الذي تنتمين إليه، كان وما يزال حليفاً قوياً للولايات المتحدة. إننا نحترمه، ونثمن عالياً دوره المحوري في المنطقة، وفي استقبال الآلاف من اللاجئين السوريين".
موقفان متباينان من شخصيتين قياديتين في صناعة القرار الأميركي؛ هذا القرار الذي نتوجس منه، ونرفضه غالباً. لكن أحدهما متغطرس ولا يأسف، بل ويتشفى بنزف الدماء العراقية، والآخر يعترف بخطأ احتلال العراق ويتأسف على هذا العمل. أحدهما ينظر للأردن نظرة دونية لا تتعدى كونه متلقيا للمساعدات، والآخر يثمن دوره ويحترم موقفه.
مجرد لقاءين، جاءا بمحض الصدفة في إطار برنامجين متتاليين للزمالة العلمية، حول الديمقراطية والقيادة وسيادة القانون، كنت قد شاركت فيهما في الولايات المتحدة، لكنهما أزالا بالنسبة لي الكثير من الغموض حول السياسة الخارجية الأميركية وتعاملها مع الأنظمة العربية.

*مديرة "معهد بصر لدراسات المجتمع المدني"

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نهاية إتفاقية سايكس بيكو (يسرى عبدالهادي)

    الأحد 13 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    أعذريني يا دكتوره ﻻ تعليق على ما يجري في الساحه العربيه تعليقي الوحيد ما شاءالله عليكي مواجهه جريئه كل اﻷحترام دكتوره