"اضرب الذي يضربك" نصيحة يوجهها الآباء للأبناء

تم نشره في الأربعاء 9 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • "اضرب الذي يضربك" نصيحة يوجهها الآباء للأبناء

تغريد السعايدة

عمان- “أضرب الذي يضرك”.. مقولة تتردد كثيرا بين الأهالي كنصيحة يوجهونها لأبنائهم، وخاصة ممن يتوجهون منهم إلى المدارس ورياض الأطفال، وحتى الحضانات.
ولكن هل هذه المقولة فعالة في مرحلة تنمية الطفل وعلاقته مع زملائه في المجتمع المحيط.؟!.
“أنا لست مع مقولة الذي يضربك اضربه، أنا بس بحكيله دافع عن حالك لا تخلي حدا يضربك”، هكذا كانت تتعامل سناء جودت مع ابنها ذي السبعة أعوام، وتقول “كل أم وأب لا يهون عليهم أن يتعرض ابنهم للضرب من قبل زملائه ولا يكون له اي رد فعل”، خاصة أن ذلك يؤثر على حياتهم وشخصيتهم فيما بعد، كما حدث مع ابنها، كما تقول.
وتضيف جودت، كنت دائماً اقول له عندما يحدث شجار ما بينه وبين أطفال آخرين “عيب ماما ..لا ..اسكت.. لا تضرب”، فاصبح معظم الاولاد يضربونه ويتطاولون عليه وهو يقف صامتاً لا يعرف ما يجب ان يقوم به كردة فعل، لذلك اكتشفت بأن الكثير من الأهالي لا يقومون بنصح أطفالهم بهذه الطريقة، بل على العكس يطلبون منهم أن يكونوا عنيفين، لذلك انتقلت جودت إلى أسلوب آخر وهو أن يدافع عن نفسه في حال تعرض للضرب أو للإساءة، وأن يخبر من هو أكبر منه، وفي حال اعتدى هو على الآخرين.
وعلى الجانب الآخر، ترى منى محمد، وهي أم لثلاثة أطفال، أنها تشجع ابنها على ضرب من يضربه فقط، وأن لا يكون مبادرا في الضرب والاعتداء على الآخرين، خاصة من زملائه في الصف.
وتقول “هذا المجتمع عنيف ويُجبر الطفل على أن يكون كذلك، وإلا فانه سيكون ذا شخصية ضعيفة ولا يمارس حقه بالدفاع عن نفسه”، وتقول “لا نحب أن نربي أبناءنا على العنف، ولكن هذا ما يريده المجتمع”.
اختصاصية علم النفس والنمو لدى الأطفال الدكتورة خولة السعايدة، ترى أن العنف لدى الطفل قد يتولد من البيئة المحيطة التي يعيش فيها سواءً في الاسرة أو المجتمع، لذلك على الأهل أن يكونوا مدركين بأن الطفل لا يجب ان يتعزز لديه مفهوم الضرب أو الاعتداء على الآخرين بشكل عام.
إلا أن السعايدة ترى أن الحالات التي يقوم فيها الأهل بتعزيز مفهوم “الضرب للآخرين عند الأطفال”، يكون لديهم خوف من أن يكون أطفالهم “ضعيفين وغير قادرين على الدفاع عن أنفسهم في المواقف التي يتعرضون فيها للاعتداء من الآخرين”، وتزيد تلك الاحتمالات عادةً في الصفوف المدرسية، إلا أن ذلك قد لا يكون بالضرورة سبباً في ضعف الشخصية أو تقوية الشخصية، بل على الطفل أن يتعلم العديد من الأساليب التي يمكن أن يدافع بها عن نفسه.
وتعتقد السعايدة أن العنف بشكل عام لدى الأطفال هو تصرف مكتسب، ولا يوجد طفل يولد عنيفا، وهذا سلوك قد يتطلب مراجعة من الأهل ووقفة علاجية في بعض الأحيان، خاصة إذا تحول الطفل إلى شخص عنيف ويوصم بهذا الوصم.
وهنا، تقول فداء ناصر وهي أم ومُدرسة في ذات الوقت “الطفل الذي لا يضرب لا يمكن أن يتعرض للضرب”، وترى أنها من خلال خبرتها في التعامل مع الأطفال، أن الطفل العنيف والذي يضرب زملاءه، لا بد وأن يُعاقب ممن هم أكبر منه سناً، سواءً المعلمة أو الأم، وقد يكون العقاب عن طريق الحرمان.
وهي كمعلمة، فانها تقوم بمعالجة الأمر عن طريق التفاهم مع طلابها عن أسلوب يحقق العدالة فيما بينهم، ويكون بطريقة ودية، وتغيير تعاملهم من العنف إلى المودة والصداقة، كما أنها تقوم بمعاقبة الأطفال العنيفين، عن طريق العقوبة المعنوية، خاصة وأنها تجدي نفعاً مع الأطفال.
وتؤكد ناصر ان المشاكل والعنف يكون بين الأطفال المعتادين على العنف والضرب خارج نطاق المدرسة وفي محيط الأسرة، وينعكس ذلك على تعاملهم داخل المدرسة.
وهذا ما تؤكده الاستشارية التربوية والأسرية رولى خلف، من أن الأهل لا يجب أن يلجأوا إلى الضرب كعقوبة للابناء، حتى لا يكون هذا سلوكا طبيعيا لديهم، ويعزز لديهم اسلوب العنف والرد بالضرب على الآخرين.
وتعتقد خلف أن الأطفال يعتبرون من أكثر الفئات التي بحاجة للحب والحنان والشعور بالأمان من المحيطين بهم، ولديهم الآن وعي كبير بحقوقهم ووجود مؤسسات ترعى حقوقهم وحمايتهم من الأشخاص الذين يعيشون معهم، لذلك أصبح الضرب “أسلوبا غير ناجع في ردعهم”، بل هناك بدائل للعقاب يجب على الأهل التعرف عليها والوقوف عندها قد يكون للطفل دور فيها.
وتؤكد والدة الطفل قيس ذي العشر سنوات أنها كثيراً ما ترسل لها المعلمة في المدرسة طلب الحضور للمدرسة بسبب “تنمر ابنها وضربه لزملائه في الصف”، على حد تعبير المعلمة، إلا أنها لا تجد أن طفلها عنيف، بل انه عندما يضرب الآخرين يكون ردة فعل على تصرف زملائه، كما يخبرها ابنها في كل مره.
لذلك تقوم أم قيس بالجلوس مع ابنها ما بين الحين والآخر، وبالفعل تراقب تصرفاته مع أصدقائه وأخوته، ولا تجده عنيفاً معهم، لذلك حاولت أن تتفهم المشكلة من المعلمة في الصف وأن تحاول هي الوقوف على حالة ابنها ومراقبته، للتعرف على أسباب المشكلة وحلها، إلا أنها في ذات الوقت، لا تقبل أن يتعرض ابنها للضرب من الآخرين، واحياناً بالفعل تقول له “أضرب إلي يضربك”.
اجتماعياً، يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور سري ناصر، أن الأسرة هي الأساس في كل ما يتعلق بالإنسان منذ نشأته، وهي نقطة الانطلاق التي يبدأ منها حياته وتصرفاته مع الآخرين، مع وجود عوامل خارجية تؤثر عليه، وخاصة في المرحلة العمرية التي تبدأ بالدراسة.
لذلك تعتبر تلك التصرفات من المؤثرات التي تنعكس على المجتمع فيما بعد، ولا يجوز إهمالها سواءً من قِبل الأهالي أو المعلمين في المدرسة، إذ إن المدرسة هي المحيط الآخر الذي يبني فيه الطفل شخصيته في المجتمع الكبير. ويربط ناصر أحياناً بين تصرفات الأطفال والعنف الذي يشاهدونه سواءً عبر شاشات التلفاز أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت للأعمار الأكبر من مرحلة الطفولة.
كما يبين أن الأهل يجب عليهم أن يكونوا على قدر كافٍ من الوعي في كيفية التصرف مع أطفالهم وتدريب أنفسهم على “ضبط الأعصاب” والابتعاد عن العنف حتى وإن كان بالكلمة، والتوجه إلى الحوار والكلمة الطيبة في البداية.

التعليق