محمد برهومة

البعوض والمستنقع

تم نشره في الجمعة 11 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:06 صباحاً

مع الإقرار بكثرة السياسيين الغربيين العقلاء، ومواقفهم الحكيمة المعترضة على تصريحات المرشح الأوفر حظاً للفوز بالانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري الأميركي دونالد ترامب، فإن من المؤكد أن تصريحات هذا الأخير المعادية للمسلمين لا تأتي من فراغ، بل تعبّر عن شريحة متشددة في المجتمع الغربي، بدأ يتصاعد غضبها إثر هجمات باريس، وتاليا حادث إطلاق النار في كاليفورنيا الذي نفذه زوجان مسلمان ينحدران من باكستان. هذا الغضب المتصاعد لا يُواجه  فقط بخطوة شجاعة، على أهميتها، من قبل مجموعة "لاندمارك" الإماراتية التي طلبت من متاجرها "لايف ستايل" (أكثر من 190 متجراً في الشرق الأوسط وباكستان واليمن وليبيا وتنزانيا) وقف بيع المنتجات التي تحمل العلامة التجارية لـ"دونالد ترامب"؛ وذلك بعد تصريحاته التي دعا فيها إلى منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة. فالمطلوب استراتيجية إعلامية عربية وإسلامية للحيلولة دون نجاح التنظيمات المتطرفة والإرهابية في الخلط بين الإرهاب والإسلام، أو تعميق الفجوات بين المسلمين في الغرب والمجتمعات والدول الغربية التي يعيشون فيها ويحملون جنسياتها وينتمون هم وأسرهم إليها.
جدية الأمر أنّ سوء الفهم لا يقتصر على مرشح متطرف وغوغائي مثل ترامب، فالرجل له أنصار كثر. وقد أوردت صحيفة "الغارديان" البريطانية، في تقرير نشرته الأربعاء الماضي، أن 55 % من الأميركيين يؤيدون دعوة ترامب إلى فرض حظر على دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة. وأوردت أن استطلاعاً أجرته مؤسسة "يوغوف" في وقت سابق من العام الحالي، أظهر أنّ تلك هي نسبة الأميركيين الذين يحملون آراء سلبية تجاه الإسلام، وأن غالبية هؤلاء من أنصار الحزب الجمهوري أصحاب البشرة البيضاء الذين تجاوزوا سنّ الخامسة والأربعين.
توني أبوت، رئيس وزراء استراليا السابق، دخل الأربعاء الماضي على خط الغضب الغربي المتصاعد، قائلاً إن "الحضارات ليست متساوية"، وإن على الغرب إعلان تفوقه على الإسلام الذي "يعاني مشاكل كبيرة" وفق تعبيره، قبل أن يستدرك بأنّ المسلمين وحدهم هم الذين بإمكانهم التصدي لدعاة التطرف العنفيّ، وأن "على كل من يريد أن يرى عالماً آمناً أن يمدّ يده للمسلمين المسالمين ويشجعهم على استعادة دينهم من المتطرفين".
الخطير أنه برغم الانتقادات التي وجهت لترامب من أوباما وهيلاري كلينتون والبنتاغون وليندسي غراهام ورئيس الوزراء الفرنسي فالس وغيرهم، فإن ترامب ما يزال أبرز المنافسين لنيل ترشيح الجمهوريين لخوض السباق الرئاسي.
هذه التحديات تفرض حملات علاقات عامة ذكية، وجهداً دبلوماسياً عربياً وإسلامياً لمحاصرة هذا النوع من الخطاب. وهو يفرض ضرورة صياغة خطط وسياسات تنموية وثقافية فعالة لمواجهة التشدد والتطرف، وأنْ نثبت لأنفسنا وللعالم بأنّ المتطرفين هم أقلية معزولة ومنبوذة بيننا ولا تنطق باسمنا، وأنّ أكثر ضحايا تنظيم "داعش" وسواه من المسلمين، وأنه عدوٌ لنا يشوّه سمعتنا ويضيّق على فرصنا في العالم ويجعلنا في مواجهة أهلنا وجيراننا ومجتمعاتنا والعالم، مع التأكيد بأن زراعة التطرف والإرهاب سمادها ليس فقط التأويلات العنيفة والمتطرفة للنصوص الدينية، بل قبل ذلك وبعده الظلم والتهميش والتفكك الاجتماعي وفساد التعليم وانتشار الاستبداد وضعف الثقة بين الدول العربية ومجتمعاتها وشعور الأجيال الصاعدة في غير قطر عربيّ بأن مستقبلها بالعيش الكريم وبالفرص المتكافئة غير مضمون. هذا مستنقعٌ يستولد "داعش" والمتطرفين والمجرمين وفاقدي الأمل والطموح، والباحثين عن العنف والجريمة وسيلةً للاحتجاج وتحقيق الذات وامتلاك المعنى والهوية. هذا الاغتراب الذي سببه بؤس السياسة وفسادها، يأتي من يستغله ليقول للشباب الغض "طوبى للغرباء"! مقدّماً لأسباب الجنوح غطاء أيديولوجياً يُوصل إلى التفخيخ وقتل النفس والآخرين.
حلّ "داعش" بيد العرب وليس بيد الغرب. والحلول العسكرية والأمنية مهمة، لكنّ الحلول السياسية والثقافية والتنموية هي الأكثر ديمومة وجذرية. وبدلاً من الاكتفاء بملاحقة البعوض، ينبغي تجفيف المستنقع، وهو ليس "داعش".

التعليق