علاء الدين أبو زينة

"عاملات المنازل".. بلا رتوش..!

تم نشره في الأحد 13 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:06 صباحاً

الفيديو الذي انتشر مؤخراً عن ضرب عاملة أجنبية أثار الرأي العام والانتباه الرسمي. بدا الأمر وكأننا اكتشفنا فجأة، ولم نكن نعرف، أن هذه الحادثة ليست الأولى ولا الأخيرة هنا وفي الدول العربية التي تستورد "الشغّالات" –اسمهن المتداول بعيداً عن تعبير الأدبيات الملطف "عاملات المنازل". وكررت الغضبة فقط طبعاً سائداً في ممارستنا: إدارة الوجه عن الخطأ والتعمية عليه حيثما أمكَن، ثم الولولة والاستنكار حين نواجَه بالأدلة، وادعاء "الصدمة" و"المفاجأة".
كلنا يمكن أن نغترب لنعيش. لكن الشروط تختلف كثيراً بناء على "طبقة" المغترب. عندما يأتينا هنا عرض عمل، نتأكد أن نعمل ساعات محددة في وظيفة محددة عند مؤسسة محددة. ونرتب ليكون لنا بيت نعود إليه، ووقت حرُّ نقضيه كيفما نشاء ونتمتع بكسبنا. وإذا ضغطَنا العمل أو غلَبنا الحنين، نستقيل ونستقل أول طائرة. لكن اغتراب "الشغالات" الفقيرات مختلف ومرير.
هؤلاء النساء يَجلبهن "مكتب" دون أن يعرفن الحقيقة غالباً عن رب عملهن، وما هو عملهن وكيف. وعندما تصل الغريبة إلى المجهول المخيف في ذاته، يستلمها "صاحبها" ويصبح مالك وقتها وأقدارها تقريباً. المعظم يشغلوهن من مطلع الفجر إلى الفجر التالي. يعملن في الكنس والمسح والجلي، وصنع المشاريب والطعام، وغسل السيارة والحديقة، وحمل الأطفال وإطعامهم وتغيير ملابسهم وتحمل نزقهم الذي لا يحتمله أهلهم، وكل شيء آخر. وفوق عمل شغالات النحل بلا استراحة، يُستعملن للعرض الاجتماعي، فتأخذهن السيدات ليسرن وراءهن في الأسواق مثقلات بالأشياء، أو تصحبهن "ماما" إلى بيوت الأقارب والصديقات، وتتبرع بجهدهن وكرامتهن لتنظيف بيوت الآخرين.
الكثيرون يحبسون "الشغالة"، فلا تخرج من البيت بدونهم –أو أنها لا تخرج معهم ولا تعرف شيئاً أبعد من الجدران أو من فوائد السفر السبع. وإذا لم تتكيف المسكينة وذبحتها الغربة وأمرضها الحنين، أجبروها على البقاء، أو أرسلوها إلى "المكتب" لكي "يقنعوها" بالبقاء –غالباً بضرب كغرائب الإبل، مثل صاحب الفيديو. وإذا توسطتَ عند "بابا" مستصرخاً إنسانيته، قال لك إنه دفع آلافاً لاستقدامها ولن يُعتقها مجاناً. أو قال إنه "مجبور"، لأن ذهاب شغالته سيخلط أوراقه ويخرب بيته: ما العمل بالأولاد وشغل الدار؟ وكيف يستقيم عمله وعمل زوجته بلا شغالة؟ ولماذا يُعنى بمصلحتها ويخون مصلحته؟!
لا أقصد التعميم طبعاً، وأرجو أن لا يعاتبني الذين لديهم عاملات منازل يراعون في معاملتهن الله والضمير، لأنهم يرون غيرهم ويعرفون. هناك –حتماً- الكثير من انتقاص الإنسانية في شروط وكيفيات عمل الفقيرات اللواتي يلجئهن العوز إلى الخبرة الصعبة. و–ويا ما سمعنا ورأينا- مما تنجبه هذه الشروط من احتمالات الخطأ -فالشبهة، لكن الصراحة والحقيقة تؤلمان غالباً!
صحيح. ثمة حاجة لا يمكن إنكارها أحياناً إلى مساعدة في المنزل. لكن بلاداً أكثر انسجاماً مع الإنسانية ترتب للأمور بطريقة أفضل. هناك جليسات الأطفال اللواتي يعملن ساعات معينة بأجر معقول، من بنات البلد أو المقيمات الأجنبيات. وهؤلاء يعدن إلى منازلهن وحياتهن الحرة بعد انتهاء العمل، ويمكن أن يستقلن منه ببساطة إذا تعرضن لمظلمة. وهناك عاملات التنظيف أو الطبخ أو بقية الأعمال المنزلية ممن يعملن بشروط مشابهة. وبشيء من العمل على الثقافة والشروط، ستكون هذه الأعمال محترمة محلياً وتجلب دخلاً جيداً وعيشاً كريماً. وهناك ترتيبات قانونية لا تكتفي بقوننة عمل "عاملات المنازل" فقط، وإنما تحدد آليات للمتابعة، ووعياً للعاملة بحقوقها وبتسهيل وصالها إلى جهات إنفاذ القانون.
مع إشكاليات هدر إنسانية "الشغالات" شبه الحتمي بهذه الشروط، ثمة الجانب المتعلق بجانبهن من المشكلات. البعض يسرقن مستخدميهن ويقتلن. البعض يعذبن الأطفال دون أن يدري ذووهم أو يلاحظون. والبعض يُقمن علاقات هنا وهناك، ويلدن أطفالاً يُرمون في الحاويات. وأخريات ينتحرن أو يهربن –ربما من اليأس وعذاب الروح. ولا عدد في الحقيقة لمتعلقات هذه العلاقة المجتمعية الطارئة مع العاملات الأجنبيات.
لسبب غريب، في بلد فقير الموارد –لكنه يضج بمظاهر الترف، أصبح استقدام "شغالة" في الأردن لازمة اجتماعية لا علاقة لها بالضرورة غالباً، وتكاد "الشغالة" تصبح جزءا من أثاث المنزل، وتعبيراً عن "الطبيعية" الاجتماعية وادعاء الرفاه، مثل نوع السيارة أو فخامة البيت. وسيقول لك كثيرون هنا إنه لا يمكنهم العيش –أي سيموتون أو يتعذبون- بلا "شغالة" 24 ساعة. حقاً؟!

التعليق