هل ينبغي أن نكرم العنصريين؟

تم نشره في السبت 26 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:00 صباحاً
  • الرئيس الأميركي الأسبق وودرو ويلسون - (أرشيفية)

بيتر سينغر*

برينستون - أثناء انشغالي بتدريس مادة الأخلاقيات العملية في الشهر الماضي، قرر بعض الطلاب أن يغادروا قاعة التدريس، وانضموا إلى مئات من المحتجين، بقيادة رابطة العدالة السوداء. والرابطة هي إحدى المجموعات الطلابية الكثيرة التي ظهرت في طول الولايات المتحدة الأميركية وعرضها، رداً على قتل مايكل براون في فيرجسون، ميسوري، في آب (أغسطس) 2014، وما تلا ذلك من قتل لأميركيين غير مسلحين ينتمون لأصول أفريقية على أيدي الشرطة.
واحتل أعضاء من رابطة العدالة السوداء في وقت لاحق من ذلك اليوم مكتب رئيس جامعة برينستون، كريستوفر آيسجروبر، وتعهدوا بعدم مغادرة المكان حتى تلبية مطالبهم. وشملت تلك المطالب خضوع الموظفين من الأكاديميين وغير الأكاديميين إلى "تدريب على الكفاءة الثقافية"، وأن يتلقى الطلاب دروساً في تاريخ المهمشين، بالإضافة الى توفير "مساحة للتقارب الثقافي" في الحرم الجامعي مخصصة على وجه التحديد لثقافة الأميركيين من أصول إفريقية.
كانت المطالبة التي حظيت بالاهتمام على مستوى البلاد هي إعادة تسمية كلية ودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية وإحدى كلياتها الفرعية، وهي كلية ويلسون. وتوجد في قاعة الطعام في الكلية صورة جدارية ضخمة لويلسون، والتي تطالب رابطة العدالة السوداء بإزالتها. وطبقاً للرابطة، فإن تكريم ويلسون هو إهانة للطلاب الأميركيين من أصول إفريقية نظراً لأن ويلسون كان عنصرياً.
كان ويلسون تقدمياً في الشؤون المحلية، ومثالياً في السياسة الخارجية. فقد أجازت إدارته قوانين ضد عمالة الأطفال ومنحت حقوقاً جديدة للعمال، بالإضافة إلى إصلاح القوانين المصرفية ومواجهة الاحتكارات. وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، أصر ويلسون على وجوب أن تسترشد السياسة الخارجية بالقيم الأخلاقية ودعم الديمقراطية وحق تقرير المصير للشعوب في أوروبا.
لكن سياساته بالنسبة للأميركيين من أصول أفريقية كانت رجعية. ففي سنة 1913، عندما أصبح رئيساً للولايات المتحدة الأميركية, ورث حكومة فيدرالية وظفت العديد من الأميركيين من أصول أفريقية، وبعضهم عمل إلى جانب البيض، في وظائف إدارية متوسطة. لكنها تمت تحت إدارته إعادة فرض أماكن العمل والحمامات المنفصلة، والتي تم إلغاؤها بعد نهاية الحرب الأهلية، كما تم تنزيل رتب الأميركيين من أصول أفريقية ووضعهم في وظائف وضيعة. وعندما احتج وفد من الأميركيين من أصول أفريقية، أخبرهم أن عليهم النظر إلى هذا الفصل العنصري باعتباره مفيداً لهم.
يحتل اسم ويلسون مكانة بارزة في برينستون -ليس فقط لأنه أحد أشهر خريجي تلك الجامعة (والخريج الوحيد الحائز على جائزة نوبل للسلام)، بل أيضاً لأنه كان رئيساً لجامعة برينستون قبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة. وكما قالت آن ماري سلاتر، وهي عميدة سابقة لكلية ودرو ويلسون، فإن ويلسون هو الشخص "الذي ربما عمل أكثر من أي شخص آخر من أجل تحويل برينستون من كلية تشبه المدارس الخاصة للرجال الأغنياء إلى جامعة بحثية عظيمة".
ويشتهر ويلسون على نطاق العالم بالنقاط الأربع عشرة التي اقترحها كأساس لمعاهدة السلام من أجل إنهاء الحرب العالمية الأولى. وقد دعا ويلسون إلى الحكم الذاتي لشعوب الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية والإمبراطورية العثمانية، بالإضافة إلى قيام دولة بولندية مستقلة. وعليه، لا عجب أن يوجد في وارسو ميدان يحمل اسم ويلسون، كما تمت تسمية محطة القطارات الرئيسة في براغ باسمه، وهناك شوارع تحمل اسمه في كل من براغ وبراتيسلافا.
من بين النقاط الأربع عشرة الأخرى دعوات لمواثيق مفتوحة -لا توجد معاهدات سرية تتآمر من أجل تقاسم مناطق دول أخرى لفترة ما بعد الحرب- وتخفيض الحواجز التجارية. وربما كانت النقطة الأكثر مصيرية هي اقتراحه تشكيل "رابطة عامة للشعوب لغايات منح ضمانات متبادلة تتعلق بالاستقلال السياسي وسلامة أراضي الدول الكبيرة والصغيرة على حد سواء".
وأدت هذه الدعوة إلى إنشاء عصبة الأمم التي حلت مكانها الأمم المتحدة، علماً بأن مقر عصبة الأمم من سنة 1920 وحتى سنة 1936 كان في قصر ويلسون في جنيف، وما يزال المبنى يحتفظ باسمه، وهو الآن مقر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
يمتلئ التاريخ بقصص أناس لديهم عيوب كبيرة، ولكنهم صنعوا أشياء عظيمة. وفي الولايات المتحدة الأميركية، علينا أن ننظر إلى قصص الأباء المؤسسين وأوائل الرؤساء، مثل جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وجيمس ماديسون، والذين كانوا يمتلكون العبيد. ومن الممكن أن ندافع عنهم بالقول بأنهم -على النقيض من ويلسون- لم يكونوا على أقل تقدير أسوأ من المقاييس السائدة في ذلك الزمان. ولكن، هل هذه أسباب كافية للاستمرار في الاحتفاء بذكراهم؟
هناك مجلس إدارة مدرسية في نيو أورليانز لم يؤمن بهذا الطرح.
 فبعد أن تبنى قراراً بعدم إطلاق أي من أسماء ملاك العبيد على أي مدرسة، قرر المجلس أيضاً إعادة تسمية مدرسة جورج واشنطن الابتدائية، وأطلق على المدرسة إسم جراح أميركي من أصول أفريقية، كان قد ناضل من أجل عدم الفصل فيما يتعلق بنقل الدم. إذن، هل يتوجب علينا إعادة النظر في إسم عاصمة البلاد كذلك؟
وصف أغيوم وينغو في كتابه "السياسات الحاجبة في الدول الديمقراطية الليبرالية" كيف أن "الحجاب السياسي" يتستر على التفاصيل التاريخية للنظام السياسي، مما يخلق وجهاً مثالياً، والكلام نفسه ينطبق على القادة السياسيين العظماء وغير العظماء الذين أصبحوا وسائل رمزية من أجل غرس الفضائل المدنية.
ولكن، بينما تتحول معاييرنا الأخلاقية، فإن الخصائص المختلفة للشخص التاريخي تصبح أكثر صلة، ويمكن تطوير الرمز إلى معنى مختلف. وعندما تمت إضافة إسم ويلسون إلى كلية برينستون للشؤون العامة والدولية سنة 1948، كانت هناك سبع سنوات ما تزال تفصلنا عن رحلة الباص الشهيرة لروزا باركس سنة 1955، ولم يكن الفصل العنصري في جنوب الولايات المتحدة الأميركية يواجه تحديات خطيرة. والآن، أصبح مثل هذا الفصل غير وارد على الإطلاق. وعليه تصبح عنصرية ويلسون أكثر بروزاً بحيث أنه لم يعد يمثل القيم المهمة لجامعة برينستون اليوم.
يجب عدم إزالة مساهمات ويلسون في الجامعة والولايات المتحدة الأميركية والعالم من التاريخ، ويتوجب عوضا عن ذلك الإقرار بها بطريقة تخلق حواراً، ولو كانت فيه اختلافات تتعلق بالقيم المتغيرة، بحيث يشمل ذلك الحوار مساهماته الإيجابية ومساهماته لسياسات وممارسات أميركا العنصرية على حد سواء.
وفي برينستون، ستكون إحدى نتائج ذلك الحوار هي تثقيف الطلاب والمدرسين الذين ربما لم يكونوا على دراية بتعقيدات شخصية مهمة في تاريخ الجامعة (أنا بالتأكيد استفدت: وقد عملت في التدريس في برينستون لمدة 16 سنة، وأعجبت بمواقف ويلسون في السياسة الخارجية لفترة أطول، ولكني أدين بفضل معرفتي بعنصرية ويلسون إلى رابطة العدالة السوداء). وربما تكون نتيجة ذلك الحوار الذي ينبغي علينا المشاركة فيه هي الإقرار بأن إطلاق إسم ويلسون على كلية أو مدرسة يبعث برسالة تشوه القيم التي تمثلها تلك المؤسسة.

*أستاذ الأخلاق الحيوية في جامعة برينستون، والأستاذ الفخري في جامعة ملبورن. من كتبه "تحرير الحيوان"، "الأخلاق العملية"، "عالم واحد"، "إعادة التفكير في الحياة والموت". والعديد من الكتب الأخرى. في العالم 2013، سماه معهد غوتيليب دوتويلر ثالث "أكثر مفكري العالم تأثيراً".
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق