محمد أبو رمان

"ما بعد" الإخوان!

تم نشره في الخميس 31 كانون الأول / ديسمبر 2015. 01:09 صباحاً

تتسارع وتيرة الأزمة في أوساط جماعة الإخوان المسلمين، مع تبدّد الضباب المحيط بمشهد المرحلة المقبلة، ليكشف أنّنا سنكون أمام أكثر من لاعب إسلامي منبثق عن الجماعة. لكن الجماعة نفسها ستكون قد انتهت عملياً، وتحوّلت إلى ما يشبه المدرسة الروحية الدعوية الفكرية.
قبل أيام، قدّمت قيادات في مبادرة "زمزم" استقالاتها من حزب جبهة العمل الإسلامي. وسيقوم عدد كبير في الفترة الحالية أو القريبة، ربما يصل إلى مئات الشباب، بتقديم استقالاتهم من الحزب، مع الاستعداد من قبل مجموعة "زمزم" للإعلان عن تأسيس حزب جديد، مع إعلان أوساط عبدالمجيد الذنيبات عدم نيّة الجماعة المرخّصة تأسيس حزب، واعتبار أنّ حزب "زمزم" يمثّلهم رسمياً في الانتخابات والحياة السياسية والمدنية عموماً.
في المقابل، فإنّ التيار الممسك بعنان جماعة الإخوان أتمّ هو الآخر مخططات نقل جزء كبير من الثقل الذي كان بيد الجماعة، إلى حزب جبهة العمل الإسلامي. وهو يقوم بعملية إعداد البناء الأيديولوجي والهيكلي للاستعداد لمرحلة جديدة يحلّ فيها الحزب محل الجماعة، مع الإقرار مؤخراً بالفصل بين الطرفين، وتهميش الدور السياسي للجماعة بالتدريج، على غرار حزب العدالة والتنمية في المغرب أو حزب النهضة في تونس، اللذين يحملان ميراث الإخوان فكرياً وسياسياً.
يبقى الطرف الثالث المهم في الجماعة، وهو مجموعة الإنقاذ والحكماء، التي باتت تتشكل حالياً من رموز الجماعة التاريخية، ومن القيادات الشبابية الإصلاحية المستنيرة، وتتوافر على مقومات مهمة، قد تفتقر إليها "زمزم" على المدى القريب؛ والمقصود هنا الامتداد الشعبي والاجتماعي لقياداتها، والاستقلالية الأكثر وضوحاً عن الدولة.
"مجموعة الإنقاذ" (حمزة منصور، سالم وعبدالهادي الفلاحات، عبداللطيف عربيات، عبدالحميد القضاة، إسحاق الفرحان، جميل أبو بكر، وآخرون كثر)، أعلنت عن الخط العام لها، ويتمثّل في البقاء ضمن الإخوان المسلمين، لكن مع تأسيس كيان جديد، سيأخذ غالباً صيغة الحزب السياسي.
أيّ أنّنا، على الأغلب أيضاً، سنكون في المرحلة المقبلة أمام مشهد جديد بالكلية، مختلف جذرياً عن المرحلة السابقة: جماعتان للإخوان المسلمين، تنتميان عملياً للأيديولوجيا نفسها، وإن اختلفت وتباينت رؤاهما في أولويات وسقوف العمل السياسي الأردني، وبدرجة أوضح الخلفيات الاجتماعية، لكن ما يجمع بينهما، وهو الأكثر أهمية ويمثل "نقطة تحول" كبيرة، أنّهما -أي الجماعتين- ستكونان مهمّشتين في العمل السياسي، وأقرب إلى الطابع الدعوي والروحي، أو الموروث الثقافي الممتد إلى حسن البنا.
في المقابل، سنكون مبدئياً، على المدى القصير، أمام ثلاثة كيانات سياسية: حزب جبهة العمل الإسلامي، وحزب الإنقاذ، وحزب البناء (زمزم)، إن لم تتوحد "زمزم"، لاحقاً، مع الإنقاذ؛ تتنافس فيما بينها في الانتخابات النيابية وعلى صعيد الحضور في المشهد السياسي. أي إنّ هناك عملياً عملية "تعويم" لحضور الإخوان السابقين في المشهد السياسي، مع التذكير أنّ حزب الوسط الإسلامي الحالي هو في الأصل ابن متمرّد على الإخوان.
قد تكون هذه الأخبار سيئة لأبناء وأنصار جماعة الإخوان، والأطرف للقيادة الحالية التي ما تزال تعيش حالة "إنكار". لكن الأخبار الجيدة للجميع، أنّ الكيانات الجديدة، الثلاثة، بلا استثناء، تتحدث بلغة تصل إلى نتائج واحدة في التطور الأيديولوجي والسياسي، وإن اختلفت التفسيرات والعبارات.
ما هي اللغة الأيديولوجية الجديدة؟ هي مزيد من التوجه نحو الديمقراطية؛ الفصل-التمييز بين العمل السياسي والدعوي/ الفقهي؛ الاقتداء بالنموذج المغاربي (البراغماتية والفصل بين الدعوي والسياسي) وبدرجة أعلى النموذج التركي-حزب العدالة والتنمية، والخروج من عباءة الإسلام السياسي، للانتقال إلى الإطار الوطني الإصلاحي العام؛ ومزيد من تمثيل الشباب والنساء والمرونة الفقهية.
دعونا، إذن، نرصد ونراقب إعادة ترتيب "البيت الداخلي" للإخوان؛ أقصد "الشقق الجديدة" لما بعد الإخوان!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »انتهاء الحركة وانتهاء الفكر الحامل لها (سعيد)

    الخميس 31 كانون الأول / ديسمبر 2015.
    ربما يمكن من الناحية البحثية البحتة إرجاع بداية نهاية الإخوان كحركة وفكر إلى أيام ما يسمونه بالمحنة في عهد عبد الناصر.
    لم يعد للحركة زخمها الحركي والفكري ولم تستطع أن تقف على رجليها دون ترنح منذ تلك الفترة.
    وإذا تأملت الإنتاج الفكري للجماعة بعد تلك المرحلة فستجد أنه اجترار لما قبلها.
    وفي رأيي أن الجمود الذي أصاب نمو الجماعة فكريا وحركيا وعطل تفاعلها الإيجابي مع الحياة السياسية والاجتماعية في المنطقة يعود إلى أن الجماعة لم تستعد عافيتها بعد تلك الضربة.
    وإجمالا يمكن القول أن الحراك السياسي للجماعة بعد انتهاء عهد عبد الناصر كان توظيفا من قبل الأنظمة العربية للجماعة ولم يكن نتيجة تطور داخلي عميق.
    إن ما وصلت إليه حال الجماعة محليا ودوليا هو محصلة للضربات المتتالية من قبل الأنظمة وما قابله من جمود وعدم مرونة القيادات الحركية والفكرية للجماعة في الاستجابة لمتطلبات الأحداث والواقع.
    ولذلك من الطبيعي أن نرى انتهاء الجماعة التاريخية ومن الطبيعي أيضا أن يبحث بقية منتسبيها عن ما يعتقدون أنه استمرار لها.
    لكن الواقع يقول إن هذه الجماعة أصبحت من التاريخ.