محمد برهومة

سُنّة العراق وتحرير الرمادي

تم نشره في الجمعة 1 كانون الثاني / يناير 2016. 01:06 صباحاً

عقب استعادة القوات العراقية السيطرة على مدينة الرمادي، تعهّد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، بتحرير بلاده من تنظيم "داعش" في العام 2016. وقد لا يكون هذا الطموح مبالغاً فيه، إذا ما توافرت جملة شروط، من أهمها:
أولاً، المحافظة على هذا النصر، الذي يشكّل بالنسبة للقوات العراقية والعشائر العراقية التي شاركت بفعالية في معركة الرمادي، أكبر هزيمة معنوية يتلقاها "داعش"، الذي وقعت الرمادي في قبضته منذ أيار (مايو) الماضي. "فالشيء الأهم هو تأمين الرمادي؛ لأن تنظيم الدولة الإسلامية يستطيع شن هجوم مضاد"، وفق ما نُقل عن وزير المالية العراقي هوشيار زيباري، الذي دعا الحكومة إلى "بذل المزيد من الجهد؛ لإعادة بناء المدينة وتشجيع النازحين على العودة".
ثانياً، كان اشتراط القوات الأميركية عدم اشتراك مليشيات "الحشد الشعبي"، أو إعطائها دوراً هامشياً جداً في تحرير الرمادي، قرارا وجيهاً؛ إذ منع تكرار سيناريو تكريت قبل أشهر في الرمادي، الأمر الذي جنّب الرمادي الفظاعات والجرائم التي ارتكبها "الحشد الشعبي" في تكريت، منتهكاً آنذاك الاتفاق مع القوات الأميركية بعدم دخول المدينة. ومع ذلك، لا نعدم اصطياداً في مستنقع الطائفية والتحريض، ونحن نقرأ ونسمع تهاني زعيم ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، لـ"الحشد الشعبي المقاوم" على تحريره الرمادي، على حدّ زعمه. والمفارقة أنّ الدور المهم الذي لعبته العشائر السُنّية جنباً إلى جنب مع الجيش العراقي في طرد "داعش" من الرمادي، هو دورٌ مُحارَب من قبل "داعش" و"الحشد الشعبي" كليهما، والانتقام يتهدد العشائر من كلا الطرفين. ما يعني أنّ طموح العبادي سيرى النور إذا ما احتضن طموحا آخر يتمثل في إعادة الاعتبار للمكوّن السُنّي كجزء أصيل في العملية السياسية وإعادة الاستقرار في العراق، وفي مواجهة الإرهاب الذي يمثله "داعش"، والانطلاق، تالياً، باتجاه التعافي من آفات الإقصاء والتهميش للسُنّة، وتصعيد مبدأ الأغلبية السياسية بدلاً من الأغلبية الطائفية.
ثالثاً، إذا صحّ أنّ أهمية الرمادي تكمن في أنها قد تكون مقدمة لتحرير الفلوجة والأنبار، ومن ثمّ الموصل، وهو مغزى طموح العبادي، فإنّ الأفق السياسي العفيّ في عراق 2016 سيجعل المكون السُنّي يتجاوز ذاكرة "الصحوات" وسردية الإحباط وخيبة الأمل، باتجاه معاونة الحكومة العراقية بنزع وتفكيك أي حاضنة اجتماعية لـ"داعش" في العراق. ومن دون ذلك سيكون من الصعب تنفيذ سياسة "العزل والتطويق" لـ"داعش"، عبر قطع روابط الصلة بين التنظيم في سورية والعراق. والرئيس العبادي يدرك أنّ طموحه الوطني المستحق في تحرير بلاده من الإرهاب قد يبدأ منذ الآن، حيث تحرير الرمادي ما يزال طازجاً. ومن المهمّ أنْ يُصار إلى أن تكون أفواج أبناء العشائر التي دربتها قوات التحالف وشاركت إلى جانب جيش بلدها في تحرير الرمادي... أن تكون هذه الأفواج نواة منظومة الحرس الوطني وفق ما جاء في وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية لبرنامج حكومة العبادي، بحيث "يُشكّل هذا الحرس من أبناء كل محافظة كقوة رديفة للجيش والشرطة له مهام محددة، وإليه يوكل الملف الأمني للمحافظة". هذا يتطلب من العشائر في الرمادي والأنبار تجاوز خلافاتهم وانقساماتهم، وهو دور يمكن للأردن، بعلاقاته الطيبة مع سكان المنطقة وعشائرها، أن يلعبه، وذلك في سبيل تأمين حدوده وإغلاق سيناريو النزوح واللجوء أو تسرب أي متطرفين عبر الحدود باتجاه الأردن.

التعليق