متلازمة التهميش والمرض

تم نشره في الأربعاء 6 كانون الثاني / يناير 2016. 01:00 صباحاً

د. عاصم منصور

نتائج لافتة تلك التي خلصت إليها إحدى الدراسات التي نُشرت مؤخرا، وبينت أن أنواعاً معينة من السرطان، وبالتحديد تلك التي ترتبط بانتشار العادات السيئة، تكثر بين السكان الأصليين في كل من الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا، مقارنة ببقية مواطني تلك الدول.
إذ بينت الدراسة أن نسبة الإصابة بأنواع السرطان المرتبطة بالتدخين، وكذلك تلك التي ترتبط بالأمراض المعدية، تنتشر بصورة كبيرة بين فئة السكان الأصليين. فالإصابة بسرطان الرئة عند هؤلاء تزيد بنسبة تتراوح بين 50-70 % عن بقية السكان. أما نسبة الإصابة بسرطان عنق الرحم عند نسائهم، فتصل إلى ضعفي نسبتها عند مثيلاتهن من السكان غير الأصليين.
ففي هذه المجتمعات المهمشة، والتي تكثر فيها البطالة والجهل، يلجأ الناس إلى العادات السيئة للهروب من الواقع، وجهلا منهم بالآثار المدمرة التي تسببها هذه العادات.
كما بينت دراسات أخرى أن المرض يُكتشف في مراحل متأخرة في المجتمعات الأقل تعليما والأكثر فقرا، ما يجعل فرص الشفاء متدنية. وغالباً ما ينعكس ذلك سلبا على متوسط أعمار المصابين ضمن هذه المجتمعات، إذ يعمرون أقل من بقية مواطني تلك الدول.
قبل فترة وجيزة، كنت في زيارة إلى إحدى دول شرق آسيا المتطورة. ولفتت انتباهي المرتبة المتقدمة التي يحتلها سرطان الفم والرقبة هناك. لكن الجواب كان أن العلة تكمن في إحدى المواد التي يمضغها أبناء الطبقات الفقيرة، والتي تسبب أمراضاً كثيرة، منها السرطان.
وإذا ما ذهبنا الى أفريقيا المنكوبة بالجهل والفساد، فإن أنواع السرطان المرتبطة بالأمراض المعدية تحتل المراكز الأولى، وتشكل أحد أهم أسباب الوفاة المبكرة في دول القارة.
مما سبق يتبين لنا أنه لا يمكن أن نتقدم في مسار الإصلاح الصحي من دون إصلاح اقتصادي واجتماعي وسياسي، ومن دون الالتفات إلى المجتمعات المهمشة ورفع مستوى الوعي لديها، وتحقيق العدالة. فمن دون ذلك سنبقى ننفخ في "قربة مثقوبة".
العامل الأساسي في إصابة المرء بالسرطان، كما احتمالية الشفاء منه، لا يكمن في العوامل الجينية، وإنما الاجتماعية؛ ففرصة الشفاء للإنسان الذي يولد ويعيش في دولة متقدمة، أكثر بكثير من ذلك الذي يعيش في دولة أو مجتمع متخلف. المشكلة ليست في الجينات، وإنما في العقليات.

التعليق