هزيمة المتطرفين في 2016

تم نشره في السبت 9 كانون الثاني / يناير 2016. 01:00 صباحاً
  • موضع تذكاري لضحايا هجمات باريس الأخيرة – (أرشيفية)

توني بلير*

لندن- كانت قائمة النشاطات الإرهابية للإسلاميين سنة 2015 طويلة وكئيبة. ففي كل شهر تم قتل الناس باسم أيدولوجية خبيثة.
في كانون الأول (يناير)، تعرض حوالي 2000 شخص لمجزرة في باجا، نيجيريا؛ كما قتل 38 شخصاً في تفجير سيارة مفخخة في صنعاء، اليمن؛ وتم ذبح 60 شخصا أثناء أدائهم للصلاة في مسجد في شيكاربور في الباكستان. وفي حزيران (يونيو)، تم قتل أو إصابة أكثر من 300 شخص في هجمات في منطقة ديفا في النيجر، وفي مدينة الكويت وفي مدينة سوسة التونسية. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) قتل 200 شخص تقريباً على أيدي الإرهابيين في سراييفو وبيروت وباريس. وفي بداية كانون الأول (ديسمبر)، كانت هناك حادثة إطلاق نار جماعي في سان بيرناردينو، كاليفورنيا.
وليس انتشار الإرهاب مقتصراً على الفظائع التي يرتكبها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية، بل هو مشكلة عالمية. ولذلك يحتاج المجتمع الدولي إلى استراتيجية شاملة لهزيمة التطرف الإسلامي، حيث يجب أن تشتمل تلك الاستراتيجية على القوة والدبلوماسية والعمل التنموي، والتي تعمل معاً من أجل تحقيق عالم أكثر استقراراً.
ولعل الركيزة الأكثر إلحاحاً في هذه الاستراتيجية هي تفكيك تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يجب القضاء عليه -ليس في سورية والعراق فحسب، وإنما أيضاً في ليبيا وغيرها من الأماكن التي يعمل فيها. ويجب أن لا ينصب الجدل القائم عن كيفية القضاء على هذا التنظيم على موضوع نشر قوات غربية على الأرض، وإنما يجب علينا جميعاً أن نقوم بما هو ضروري من أجل هزيمة مجموعة استولت على الأراضي في خمسة بلدان، وأعلنت دولة جديدة يحكمها أييولوجيون متعصبون. ونظراً لعدم إمكانية التفاوض من أجل إنهاء وجود تنظيم الدولة الإسلامية، فإن من الإهمية بمكان وجود مجموعة عريضة من الحلفاء -مع الاستراتيجية السياسية المناسبة- لهزيمة التنظيم في جميع الإماكن.
لكن الانتصار على "الدولة الإسلامية" سوف يكون خطوة أولى –ولو أنها ضرورية- من أجل تحقيق نتيجة عادلة في سورية، ما يعني تسوية تسمح للبلاد بالتقدم وتحترم أقلياتها، ولكن بدون بقاء بشار الأسد في السلطة. وسوف يتطلب تحقيق مثل هذه النتيجة نفوذاً على طاولة المفاوضات. ولهذا السبب، فإن مساعدة حلفائنا على الأرض في سورية تعتبر أمراً حيوياً.
إن تنظيم الدولة الإسلامية هو مجرد التعبير الأكثر خبثاً عن التطرف الذي أصاب العالم لعقود، حيث يتوجب علينا بناء قوة عالمية قادرة على محاربة المتطرفين في أي مكان –وزمان- يحاولون أن يجدوا لأنفسهم موطئ قدم فيه.
بالنسبة لأوروبا على وجه الخصوص، ينطوي ذلك على حسابات مهمة للغاية. فالتهديد الأمني من تنظيم الدولة الإسلامية لا يقف على أبوابنا، وإنما أصبح داخل منازلنا ولدينا مصلحة كبيرة في القضاء عليه على المدى القصير والمتوسط. وعلى المدى الطويل، نحن بحاجة إلى إدراك أن المشكلة تكمن في أيدولوجية التطرف نفسها. فهناك عدد قليل نسبيا من الجهاديين الذين يتبعون تنظيم الدولة الإسلامية وأمثاله، ولكن هناك العديد من الناس الذين يؤمنون بعناصر من نظرتهم العالمية.
إن الإسلام كما يمارسه ويفهمه الغالبية العظمى من المؤمنين، هو دين مسالم ومحترم. وقد ساهم بشكل كبير في الوجود والتقدم الإنساني. ولكننا لا يجب أن نستمر في إنكار طبيعة المشكلة التي نواجهها. ففي العديد من البلدان الإسلامية، هناك أعداد ضخمة من الناس الذين يؤمنون بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أو اليهود كانوا وراء الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر. وفي الوقت نفسه، هناك رجال دين مسلميون مع ملايين الاشخاص الذين يتبعونهم على "تويتر" حول العالم، والذين يعلنون أنه يجب قتل الكفار والمرتدين، أو يدعون إلى الجهاد ضد اليهود.
يتابع مركز الأديان والشؤون الجيوسياسية في مؤسستي مسألة التطرف كل يوم، وتوفر أبحاث المركز حقائق مذهلة ومثيرة للقلق، حيث تظهر بوضوح أن القضاء على هذه الأيدولوجية سوف يحتاج إلى التعمق في أصل المشكلة.
وعليه، اقترحت "التزاماً دولياً بالتعليم"، والذي يتم الإتفاق عليه دولياً بحيث تتحمل كل دولة مسؤولية تشجيع التسامح الثقافي والديني، والقضاء على التحيز والتحامل الثقافي والديني ضمن نظامها التعليمي.
كما يتوجب علينا دعم أولئك الذين يواجهون العقائد المتطرفة. وقد أظهر العديد من علماء الدين الشجعان والجادين –مثل الذين ينتمون إلى الجامع الأزهر في القاهرة أو الشيخ عبدالله بن بيه في موريتانيا- كيف يمكن إن تؤدي التعاليم الصحيحة للإسلام إلى التصالح مع العالم الحديث.
يعتبر التحالف مع القادة المسلمين المستعدين لقيادة المعركة ضد تحريف عقيدتهم أمراً حاسماً. ونحن ننظر أحياناً إلى الشرق الأوسط على أنه فوضى يجب تجنبها، ولكن –وكأننا كنا بحاجة إلى تذكير آخر- أظهرت المجزرة التي حصلت في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) في باريس عقم سياسة عدم التدخل.
عوضا عن ذلك، يجب أن ننظر إلى الشرق الأوسط والإسلام على أنهما في طور عملية انتقالية بحيث يصبح الشرق الأوسط مكاناً لمجتمعات متسامحة دينياً وقائمة على حكم القانون، وبحيث يحتل الإسلام مكانه الصحيح كدين يجل التقدم والإنسانية. وإذا نظرنا إلى الأمور بهذه الطريقة، فإن هذه ليست فوضى يجب تجنبها، وإنما هي صراع حياة وموت، والذي أصبحت مصالحنا الأساسية فيه على المحك.
على هذا الأساس، يجب علينا دعم وتشجيع أولئك الذين يعملون من أجل مستقبل منفتح للشرق الأوسط والإسلام. وتبقى دول الخليج ومصر والأردن هم حلفاؤنا، وعندما تواجه هذه الدول تحديات العصرنة، فيجب علينا أن نكون مستعدين لمساعدتها.
وأخيراً ، يجب أن نعترف في السنة القادمة بالأهمية الحيوية لحل الصراع الاسرائيلي–الفلسطيني. وليس هذا مهماً في حد ذاته فقط، وإنما سيساهم كذلك بتحسين العلاقات الدولية وبين الأديان، وسوف يعيد التأكيد بشكل قوي على مبدأ التعايش السلمي الذي يقوم عليه النظام العالمي.
إننا بحاجة إلى صياغة سياسة خارجية تجسد دروس الفترة من الحادي عشر من سبتمبر وحتى اليوم. وستعترف مثل هذه السياسة بالحاجة إلى المشاركة الفعالة، والتي يتم تعديلها وتحسينها عوضاً عن إيقافها على ضوء خبرتنا.
سوف تتطلب مكافحة التطرف استعمال القوة، ولكنها تتطلب كذلك التعليم، حتى يفهم مواطنونا والذين يأتون إلى بلداننا أهمية قيمنا ولماذا ندافع عنها. كما تتطلب مكافحة التطرف التعاون –ليس أقله التعاون في المجال المعقد لدبلوماسية العالم الحقيقية.
لكنها معركة سوف نربحها. فالمتطرفون الإسلاميون الذين يريدون إنهاء حضارتنا يفسدون دينهم أيضاً، ولن ينجحوا في ذلك؛ فالأغلبية الساحقة من الناس حول العالم يريدون التعايش. وبدعمهم وإصرارهم، فإن روح السلام –وبشكل أكبر من الأيدولوجية أو السياسة أو الدين– هي التي ستسود.

*كان رئيساً لوزراء بريطانيا من 1997 وحتى 2007. ومنذ مغادرته المنصب، أسس مبادرة حكم أفريقيا، ومؤسسة توني بلير للأديان، ومبادرة الدين والعولمة.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق