محمد برهومة

الجيرة السيئة والتلكؤ في الإصلاح

تم نشره في الجمعة 15 كانون الثاني / يناير 2016. 12:05 صباحاً

من المؤكد أن مهمة وقف النفوذ السلبي لإيران في المنطقة هي مسؤولية عربية أساساً. لكنّ نقطة النظام هذه وهذا المحدد على أهميته، لا يقلل من أهمية الإقرار بأنّ التدخل الروسي العسكري في سورية وتنامي نزعة الانسحاب والانعزالية الأميركية عن منطقتنا، قد أعطيا مزيداً من الطاقة لإيران للاستمرار في نهجها التدخلي في الشؤون العربية، وتبني المباريات الصِفريّة في صراعها مع خصومها الإقليميين.
من هنا يأتي قرار السعودية وحلفائها قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران أو تخفيض مستواها واستدعاء السفراء الإيرانيين للاحتجاج على سلوك بلادهم في المنطقة، بمنزلة تعبير عن يأس خليجي خصوصاً، وعربي عموماً، من إصلاح إيران.
هذا اليأس الخليجي والعربي من إصلاح إيران عبّر عنه وزير الخارجية الإماراتي في الاجتماع الطارئ للجامعة العربية حين قال: "على إيران أنْ تُحدّدَ أيّ نوعٍ من الجيران تريد أن تكون: هل تريد أن تكون جاراً صالحاً أم عبثياً". وأضاف: "حتى الآن نرى العبثية واهتمام إيران في إصلاح العلاقة مع الغرب وليس مع الإقليم". وأشار الوزير الإماراتي إلى أنه "لو أنّ إيران بذلت مع الدول العربية الجهد والحماسة نفسيهما اللذين بذلتهما لحلّ ملفها النووي مع الغرب لحلّت جميع مشاكلها مع الدول العربية. لكنّ الجدية الإيرانية تجاه العرب غير موجودة"، خاتماً بالقول: "ما نراه مجرد أقوال لا أفعال، والمطلوب أن تتوقف إيران عن تصرفاتها السلبية لكي تثبت حسن نيتها".
المؤكد أن مشاكل العرب ليست جميعها من مسؤولية إيران أو إسرائيل أو التدخل الروسي والانكفاء الأميركي، فهناك مشاكل وملفات داخلية عاجلة تتلكأ، أو لم تنجح الحكومات العربية في معالجتها، بخاصة فيما يتعلق بحكم القانون والعدالة الاجتماعية ومكافحة التمييز ومواجهة الفساد وإشاعة الحريات. لكنّ على الدول الكبرى إدراك أنّ عالم الفوضى المقبل في المنطقة العربية يُعَدُّ مكاناً يبعث على الرعب، وأنّ ثمة حالة تصاعد في منسوب شكوك المجتمع الدولي حول أهداف ونوايا ومخططات واشنطن وروسيا على حدّ سواء. وعلى هاتين العاصمتين إدراك مغزى تصاعد اليأس الخليجي والعربي من إيران ومن إصلاح سياساتها في المنطقة، كما أنّ على العاصمتين سماع رسالة الخليجيين والعرب بأنّ الفراغ السياسي والأمني الناجم عن غياب التنمية والاعتدال في المنطقة سيملأه الإرهاب. وهذا الإرهاب ليس سُنيّاً فقط، بل شيعيّ على حدّ سواء، فطائفية تنظيم "داعش" وإرهابه يقابلهما طائفية "الحشد الشعبي" وإرهابه؛ وفظائع "داعش" في الرقة تقابلها فظائع "الحشد الشعبي" في صلاح الدين وتكريت.
اليأس من احتمالات الضغط الغربي على إيران لإصلاحها وإصلاح سياساتها يتعزز ونحن نسمع الخبراء الأميركيين يؤكدون أنّ "دور واشنطن اليوم يتمثل في مفارقة إدامة مكانة القوة العظمى مقرونة بتراجع النفوذ العالمي، وأنّ من المرجح أن تظل الولايات المتحدة القوة العالمية الوحيدة خلال الخمس عشرة سنة المقبلة على الأقل، حيث تتفاخر بامتلاكها عناصر تُحسَد عليها، مثل التركيبة السكانية والاقتصادات والابتكارات والموارد الطبيعية والامتداد الثقافي والقوة العسكرية بالطبع، غير أن قدرة واشنطن على تشكيل سلوك الفاعلين الآخرين تتراجع".
غياب الإصلاحات العربية الحقيقية يُعزز التدخل السلبي الإيراني والجيرة السيئة؛ فالنفوذ السلبي هو ملء للفراغ السياسي والأمني القائم في الدول والمجتمعات العربية، ما يعني، وللمفارقة، أنّ إصلاح إيران يتطلب رغبة أقوى في إصلاح الشؤون العربية، وتحصين الداخل العربي بإعادة البناء والإعمار والتنمية وإشاعة المعرفة الحرة.

التعليق