فريهان سطعان الحسن

"ذيب".. أول الحلم

تم نشره في الاثنين 18 كانون الثاني / يناير 2016. 01:00 صباحاً

فرحة كبيرة دخلت قلوبنا لحظة إعلان ترشح فيلم “ذيب” الأردني، للمخرج ناجي أبو نوار والكاتب باسل غندور، رسميا لجائزة الأوسكار عن أفضل فيلم أجنبي. وهو الآن ينافس أهم أفلام مبدعي السينما في العالم، فيتفوق عالمياً بفكرته وصورته وإنجازه.
“ذيب” الذي عرض في أهم مهرجانات العالم، ينافس في أهم حدث سينمائي عريق، بعد أن أظهر صورة الأردن الحضارية، ونال حصةً كبيرة من التقدير والاهتمام والإنصاف، وكل ذلك لما بذله، ابتداء، القائمون عليه من جهد كبير لإظهار العمل بالصورة التي بدا عليها، مبشرا بمستقبل سينمائي أردني مهم للأفلام الروائية الطويلة.
الفيلم الذي أبرز جماليات الصحراء جنوب الأردن، من خلال مشاهد ساحرة صورت في وادي رم، وبقرية “الشاكرية” تحديدا، تمتع بخصوصية ربما لا تتوفر في السينما العالمية؛ من خلال تفاصيل الصحراء وأحداثها وشخوصها المنتمية فعلا لتلك البيئة.
الإخراج كان عبقريا باتساع الأفق ونقاء الصورة. والحوار الذي يدور بين أبطال الفيلم كان لافتا أيضاً، وهم من سكان المنطقة الأصيلين في البترا. لم يقفوا يوما أمام كاميرا سينمائية أو تلفزيونية، لكنهم كانوا رغم ذلك نجوم العمل الحقيقيين بما يضاهي الممثلين المحترفين، إذ أبدعوا بأدائهم وأسلوبهم وحديثهم الخالي من التصنع أو التكلف أو المبالغة.
هؤلاء الأبطال؛ ببساطتهم وقيمهم، ابتداء من الطفل جاسر عيد الذي جسد دور “ذيب” المشبع بلون الصحراء ولهجتها وثقافتها وأسلوب حياتها وصراعاتها، والمتجاوز بفهمه حدود عمره، غامر باكتشاف الحياة في قلب الصحراء، برحلة اجتاز فيها مرحلة الطفولة نحو مرحلة الرجولة التي تشربها وهو يعيش بين الكبار.
ويحكي الفيلم عن “ذيب” الذي ينقش نضوجه في رحلة ملحمية بين صراع البقاء وترجمة دروس الحياة بالفطرة، ويلتقط العلاقة بين المكان والأفراد والقدرة على التكيف في حقبة تعود إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى والثورة العربية الكبرى في العام 1916، وإنشاء الخط الحجازي الحديدي والتغيرات التي طالت تلك المنطقة.
“ذيب” أعادنا إلى كلاسيكيات السينما الجميلة. ومنذ لحظة عرضه في دور السينما، قبل أن يكون ضمن القائمة النهائية للأفلام المرشحة لجائزة الأوسكار، أو يحظى بكل التكريم والجوائز الأخرى التي نالها فعلا؛ حاز هذا الفيلم على “أوسكار” الجمهور الذي تسابق لحضوره كأي فيلم عالمي، أبطاله نجوم من الصف الأول. فتكررت العروض، وافتتحت صالات سينما إضافية لمن توافدوا على حضوره عربيا وعالميا، كما محليا.
وجد “ذيب” دعما من عدة جهات، واستثمر القائمون عليه كل المبالغ التي حصلوا عليها لإخراج الفيلم بهذه الصورة المتكاملة. فأخذ قرابة ثلاثة أعوام من التجهيز والعمل المتواصل، وورش عمل مستمرة لتدريب كل الشخصيات المشاركة على الوقوف أمام الكاميرا، والعمل بروح الفريق الواحد في بيئة صحراوية صعبة، نتج عنه عمل إبداعي.
فيلم “ذيب” جسد سينما محلية راقية، وانتصارا عربيا بمستوى عال من الاحتراف. وترشيحه للأوسكار هو بداية الحلم، بأننا نستطيع أن نقدم فنا راقيا ينافس عالميا. وأن يكون الأردن موطن إنتاج سينمائي وحراك فني.
نأمل أن يفتح “ذيب” أفقا جديدة لتتحقق أحلامنا الكثيرة. وأن تلتفت الجهات المعنية في الأردن للجوانب الإبداعية، فتخصص جزءا كبيرا من مواردها -وليس الاعتماد فقط على الجهود الفردية- لدعم الثقافة والتجارب السينمائية التي تنتظر أيضا الوصول إلى الحلم.
ويبقى أن الاستثمار في الفن والثقافة هو استثمار حقيقي بالمستقبل. والأردن مليء بالطاقات والمواهب الفنية والإبداعية التي بحاجة فقط إلى “فرصة”.

التعليق