د.أحمد جميل عزم

السودان ونقاش التطبيع

تم نشره في الخميس 21 كانون الثاني / يناير 2016. 01:05 صباحاً

في الوقت الذي تتواتر الأنباء عن مواقف عالمية؛ أميركية وأوروبية، ناقدة بشدة للسياسات الإسرائيلية، فإنّ الأنباء المتواترة من عاصمة السودان، الخرطوم، تشير إلى آراء متعددة تحاول أن تسوق الهرب من الفشل السياسي والاقتصادي والإداري إلى الحضن الإسرائيلي.
في الأيام الماضية، أعلنت مؤسسة "هيومن رايتس ووتش"، في تقرير يتكون من 162 صفحة، أنّ الشركات العالمية التي تستثمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967، تخرق القانون الدولي بانتهاك حقوق الفلسطينيين في هذه الأراضي، داعية إياها للانسحاب من هناك.
قبل ذلك بأيام، لحقت كنيسة بروتستانتينية كبرى (Methodist Church)، تزعم أنها الأكبر أميركياً، وأن عدد أعضائها في العالم يبلغ نحو 12.8 مليون شخص، بشركات وصناديق استثمار أوروبية، وأعلنت مقاطعة خمسة بنوك إسرائيلية بسبب نشاطها في المستوطنات. هذا بينما أصرت دول الاتحاد الأوروبي على قرارها وسمَ البضاعة المنتجة من المستوطنات، بوسم خاص يميزها عن المنتجات الإسرائيلية، كجزء من التمييز بين الأراضي المحتلة العام 1967 وما تعتبره دول الاتحاد "إسرائيل".
هذه الإجراءات بغض النظر عن تقييم مغزاها العملي الحقيقي، تسير في اتجاه مراجعة الموقف من السياسات الإسرائيلية. وهو اتجاه معاكس للأنباء القادمة من السودان؛ فهناك أحزاب وشخصيات تطالب هذه الأيام بشكل علني وفي لقاءات رسمية مع الحكومة، بالتطبيع مع إسرائيل، باعتبار هذا مدخلا لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. ورد وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، الخميس الماضي، بأنّه لا مانع من دراسة التطبيع مع إسرائيل. كما تحدث مذيعون في التلفزيون السوداني داعين إلى ذلك. ثم، وكما تنقل صحيفة "العربي الجديد"، يشير البعض إلى استقبال الحكومة خلال الفترة الماضية رئيسة جمعية "الصداقة مع إسرائيل" تراجي مصطفى، وعقد لقاءات معها على مستوى الرئيس السوداني عمر البشير، والأمين العام لحزب "المؤتمر الشعبي الإسلامي" حسن الترابي. وهي التي شكّلت الجمعية المذكورة في العام 2006، وزارت في العام 2012 تل أبيب، ليعمد البرلمان السوداني العام 2013 إلى سحب جنسيتها السودانية ووصفها بـ"الخائنة".
نفى حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان مناقشة مسألة تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" في اجتماعاته. والواقع أنّ أحداً لم يزعم أن الموضوع نوقش في اجتماع للحزب، بل في مؤتمر الحوار الوطني الذي يجمع أحزابا عدة. ويبدو أنّ هذا النفي للاستهلاك الإعلامي، أو يعبر عن تيار معارض داخل الحزب.
تاريخ الحكم السوداني في المسألة الإسرائيلية مربك قليلا، لكن الأكيد أنّ الشعب السوداني يصعب أن يمرر مثل هذه الأفكار.
في الماضي، سلّم نظام عمر البشير-حسن الترابي الذي يرفع شعارات إسلامية، أو كان كذلك، المقاتل الفنزويلي الذي قاتل مع الفلسطينيين، كارلوس، للفرنسيين.
وكان تأييد رئيس السودان الأسبق جعفر النميري (1969-1985) لاتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وضلوعه وأجهزته في تهريب يهود الفلاشا الإثيوبيين إلى إسرائيل سراً، والمعلومات عن لقاء جمعه مع أرييل شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، في نيروبي بكينيا العام 1982، من أسباب الغضب الشعبي الذي أسهم في الانقلاب عليه، رغم كل الشعارات الإسلامية وفكرة تطبيق الشريعة التي أعلنها، رغم متاجرته بالشعارات اليسارية قبل ذلك.
يتهم السودان الإسرائيليين باستهداف الأراضي السودانية وضربها أربع مرات على الأقل في السنوات الأخيرة (2009 مرتين؛ و20011، و2012). ومن الفرضيات التي تبرر هذا القصف، كان إمدادات سلاح أو دعم لوجستي ما، يصل حركة "حماس"، وربما غيرها في قطاع غزة، استفادة من موقع السودان على البحر الأحمر.
لقد فشلت دول عربية ضعيفة ومتعثرة سابقا في تحقيق أي مكاسب من محاولة تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال، من مثل موريتانيا، التي كانت ثالث دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية مع الإسرائيليين، بعد مصر والأردن.
إنّ الذهاب للإسرائيليين هو في العادة محاولة لتحقيق مكاسب اقتصادية وإرضاء الولايات المتحدة الأميركية، والحصول على شهادة حسن سلوك ومساعدات وتسهيلات اقتصادية غربية. ورغم أنّ احتمالات الحصول على مكاسب تذكر، خصوصاً في الوقت الحالي، محدودة، فإنّ الدرس الذي يجدر بمن يفكر بالتطبيع في السودان أنّ يعيه، هو أنّ الشعوب عادة تقاوم التطبيع.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تطبيع ومكاسب واهية (د. عاصم الشهابي)

    الخميس 21 كانون الثاني / يناير 2016.
    أضيف الى مقال كاتبنا أحمد العزم التالي، من المؤسف أن تقوم أي دولة عربية بالتطبيع مع إسرائيل، ونحن نشاهد كل يوم أعدام الشباب الفلسطيني على الحواجز ، ونشاهد أيضا تدمير البيوت ومصادة الأراضي وتشريد أصحابها الفلسطينين الى المجهول والشتات. لا نعرف كيف يسمح العقل والقلب العربي بعد ذلك بالتطبيع مع كيان يهدد ليس فقط الفلسطينيين ، وأنما بالحقيقة كل الفضاء العربي، ويخطط الى جعل الدول العربية في خدمة الهيمنة الإسرائيلية. والغريب والعجيب أن معشر العرب الرسميين لا يتعلمون من دروس التاريخ شيئا ويكفي أن نذكر أن مصر باعت لسنوات طويلة الغاز المصري بأرخص الأسعار، ولما توقف تزويد إسرائيل بالغاز المصري، قامت إسرائيل برفع قضية الى مصر تطالب بها بتعويض ما يزيد عن مليار ونصف دولار.