عيسى الشعيبي

الحرب الإقليمية الباردة.. لبنان مثالا

تم نشره في الجمعة 22 كانون الثاني / يناير 2016. 01:06 صباحاً

رغم وجود عدد لا يحصى من القنابل المبثوثة بين ثنايا أقدم حرب أهلية وأطول أزمة داخلية شهدها العالم العربي، ورغم انكشاف أطرافها المتجابهة أمام التدخلات الخارجية، الإقليمية منها والدولية، تعتبر الأزمة اللبنانية، المتراوحة بين هبّة ساخنة وأخرى باردة، أقل الأزمات حدة، وأضعفها تأثيراً في المحيط المجاور، بل والأخف وطأة على أصحابها، قياساً بغيرها من الأزمات المتفجرة لاحقا في المنطقة العربية المثخنة بالفساد والاستبداد والإرهاب والجراح الراعفة.
وأحسب أن السوريين والعراقيين على وجه الخصوص، فضلاً عن اليمنيين والليبيين، وغيرهم من الشعوب العربية المبتلاة بحروب أهلية طاحنة، ينظرون إلى أشقائهم اللبنانيين بعين الحسد، ويغبطونهم على ما هم فيه من حرب باردة، تدار وفق قوانين لعبة التوازنات الداخلية الهشة، بما في ذلك المواءمات الطوعية المملاة من جانب قوى إقليمية وازنة، تبقي مخرجاتها تحت السيطرة، الأمر الذي يجعل من هذه الأزمة مجرد وخزة دبوس طفيفة، قياساً بهول أزمات العرب المرعبة.
ومع أنه يصعب القبول بمفهوم "الحرب اللبنانية الباردة" من دون محاججة، إلا أن الأمور تظل نسبية على أي حال، وتبقى الشرور متفاوتة دائماً. فوفق مسطرة القياس العربية الراهنة، تبدو الأزمة اللبنانية في ذيل القائمة، وأحيانا على هامش الهامش، وكثيراً ما تسقط من التداول الإعلامي خارج نطاقها المحدود، إلا عندما تشتد السجالات، وتحتدم المماحكات بين الأقطاب، حيث تعود هذه الأزمة ذات الوتائر المنخفضة، لتحتل موقعاً متواضعا من الاهتمامات، لبعض الوقت في الغالب.
ولعل مشهد المصالحة المتلفزة، قبل عدة أيام، بين أقدم خصمين سياسيين، كانا قد خاضا حرب إلغاء وجود بينهما قبل ثلاثة عقود، وهما الجنرال ميشال عون وسمير جعجع، خير مثال على طرافة هذه الأزمة الباردة، وأفضل شاهد على انضباط ميزان حرارتها بين درجة الدفء وحالة البرودة المعتدلة، وذلك رغم حدة الاستقطابات، وكثرة التحولات، وتوالي انقلاب التحالفات، وتبدل الولاءات، بين كل المنخرطين في لعبة البقاء في بلد الطوائف المتكابشة.
وليس من شك في أن التحكم الإقليمي عن بعد، وعلى مدى السنوات الطوال في إدارة هذا النزاع وضبط إيقاعه تحت سقف "الحرب الداخلية الباردة"، تعد ميزة لبنانية خاصة، إن لم نقل إبداعاً سياسيا لا نظير له في تنفيس الاحتقانات المتبادلة، وتدوير الزوايا الحادة، اقتضته على الأرجح هشاشة المعادلة، ومرارات الحرب الطويلة السابقة، ناهيك عن تقاطعات المصالح الإقليمية الراغبة في الحفاظ على صندوق البريد هذا، مواتيا لتبادل الرسائل المشفرة.
ومع أن لبنان لم يعد، منذ زمن طويل، دولة بالمعنى الحقيقي للدولة، بعد تعطيل المؤسسات الدستورية، وتبهيت الحدود، وتقويض السيادة، ناهيك عن الإخفاق المتراكم، ليس فقط في انتخاب رئيس للجمهورية، بل وحتى في معالجة أزمة النفايات، إلا أن هذا البلد الصغير، المدهش بقدرته على التكيف مع المتغيرات، ظل قادراً على تجنب الانزلاق عن حافة الهاوية، وبارعا في إطفاء الحرائق الصغيرة الناشبة في أذيال ثيابه، سواء بالاحتكام إلى طاولة حوار يعرف أطرافها، مسبقا، أنها لتقطيع الوقت، أو بنقل البندقية من كتف إلى كتف كلما اقتضت الضرورة.
فقبل أن ينتقل جعجع من موقع العداء الشديد، إلى أرضية التحالف الاستراتيجي مع عون، وتتم عملية إعادة خلط الأوراق بين المعسكرين المتقابلين (8 آذار و14 آذار)، كان وليد جنبلاط، وهو قطب لبناني بالغ التحول السياسي، قد عبر الخط الأحمر بين المتراسين المتقابلين، تحت تهديد سلاح حزب الله، من دون أن يلتفت وراءه، فيما انتقل كثيرون من قبل، على مدار الأزمة المديدة، من النقيض إلى النقيض بالكامل، أي من الحضن الإسرائيلي إلى الحضن السوري، مثل إيلي حبيقة وميشال سماحة وغيرهما.
وعليه، فإنه يمكن بعاطفة باردة، تشخيص الأزمة اللبنانية المستعصية على فهم كثيرين في العالم العربي، بأنها تشبه حرباً إقليمية باردة، بنسخة لبنانية خاصة، تعيد إلى الذاكرة تلك الحرب التي سادت طويلاً بين المعسكرين الأميركي والسوفياتي حتى مطلع التسعينيات الماضية؛ تلك الحرب التي لم يطلق فيها العملاقان رصاصة واحدة على بعضهما بعضا، وظلا يديرانها عن بعد، ويتبادلان في غضونها كل الهجمات الكلامية الخشنة، وكان أكثر ما تورطا به، هو ما عرف حينها باسم الحرب بالوكالة.

التعليق