أبكانا طفل الكمالية!

تم نشره في الأربعاء 27 كانون الثاني / يناير 2016. 01:03 صباحاً

لم يعلمونا أن الأردن هو ذلك الاسم في كتب التاريخ، بل علمونا أنه الدم في شريان الحياة. ولم يعلمونا أنه تلك الحدود في كتب الجغرافيا، بل علمونا أن عشقه أبعد من حدود العاشقين وحدهم  القمر. وعلمونا أن الوطن ليس اسما وصورا، بل هو قسم بالله العظيم أن يبقى كريما بين الأمم.
هنا الأردن، هنا عودة أبو تايه، هنا وصفي التل، هنا هزاع المجالي، هنا موسى الساكت، هنا عبدالحليم النمر... هنا الجباه السمراء التي روت للتاريخ عظمة الموقف وصدق انتماء الشرفاء، هنا التعليم في المدارس بينما كان من حولنا طلبتهم عند المشايخ، هنا المستوصف والأطباء والدواء، بينما من حولنا كان مرضاهم يتداوون بالكي والأعشاب، هنا الشوارع والميادين والمحال بينما من حولنا كانوا ما يزالون على الطريق إلى ذلك.
هنا الأمهات المؤمنات الصابرات؛ جدائل شابت من السهر والصبر، وعيون ذابت وهي "تذري" القمح على البيادر، ووجوه اسمرت وتجعدت وهي تستقبل شروق الشمس لتعجن وتخبز وتحلب من دون أن تلتقطها عدسات التصوير.
هنا كرم الطيبين ونخوتهم، فناجينهم ظلّت فوّاحة بالكرم والطيب، وألسنتهم لا تنطق إلا "أبشروا باللي جيتوا فيه"، وسواعدهم زرعت وحصدت وسرحت لتبني وطنا بالعرق لا باستراتيجيات على الورق.
هنا كانت إغاثة الملهوف، وعدم سؤال الضيف، ومحاسبة "البوّاق" في عرفهم سنة مؤكدة. هنا كان المسؤول يقوم بمهام المحافظ ومدير الأراضي والمالية والبريد، وكان أشد الناس فقرا. هنا كان الموظف أوّل من ينكر الذات، ويكسر الأنانية، ويعمل بصمت وإخلاص، فكانت الرشوة حرام، والواسطة حرام، وأي أجر غير الراتب حرام.
هنا ولدت الدولة من دون فضل أو منّة أو مساعدة من أحد. هنا كان الموقف المشرف لمن حفظوا الوعد والشراكة والحلم العربي المشترك. هنا كان المواطن كريما وعزيزا وأغلى ما نملك، لا رقما نحسبه بأن كم استهلك من الكستناء والخبز والخيار!
كان هذا الوطن مستودعا للعشق والحنان؛ كان هذا الوطن مثل الدمعة التي تحبسها عيون الصبايا خجلا في ليلة الزفاف، لا يمكن أن تراها ولكنك تدرك أنها بحر من السعادة. كان هذا الوطن مثل "شيبات" العجائز في آخر العمر، من هيبتها ووقارها تدرك أنها دهر من السهر والإخلاص والصبر.
دارت الأيام وضاقت بنا، فأصبحت مباحثاتنا تختصر على كم نحتاج من المساعدات. وأصبحت أحلامنا بأرقام المديونية كوابيس، وأصبح الوطن مثل "المول"؛ من يدفع هو فقط من يشتري ويعيش!
تريدون أن تروا نتائج سياساتكم، تريدون أن تحتفلوا بإنجازاتكم، تريدون أن تعرفوا أنكم تسيرون على الطريق الصحيحة.. تابعوا ذلك الطفل الذي خرج في الثلج ليبيع دفاتر الرسم حتى يعيل أسرته؛ تابعوا كيف رفض أن يأخذ مبلغا من المال من دون أن يعطي بالمبلغ نفسه دفاتر رسم.. تابعوا كيف حرمت عليه عزة النفس أن يمد يديه، بل خرج للعمل في أشد الظروف الجوية برودة.. تابعوا ولا تنسوا أن تعقدوا له ندوة بدعم دولي لمناقشة ورفض عمل الأطفال!
يا صغيري.. يا ابن الوجع والسياسات والاستراتيجيات.. أنت دليلنا الوحيد اليوم على أنهم خططوا.. فعدلوا.. فعملوا.. فناموا!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »YACOUB.HMOUD@GMAIL.COM (يعقوب حمود النعيمات - مكه المكرمه)

    الأربعاء 27 كانون الثاني / يناير 2016.
    الله الله ما اروع كتابتك ..انها ليست كلمات مصفوفه انها نبضات حب ووفاء لأردننا ....كم نراه غائب في حسابات المسؤولين ...حاضرا في فلوب الاصيلين امثالك يا بن السلط الابيه