محمد برهومة

الليبرالية الدينية ولون الإنسان

تم نشره في الجمعة 5 شباط / فبراير 2016. 12:06 صباحاً

كان الكاتب اللبناني الراحل جوزف سماحة يقول إن العرب لم يفتحوا قِفل الإسلام، ولذلك فهم يوالون الانحدار، ويتلقون الهزائم، ويخرجون من كل هزيمة أشدّ محافظة وتقليدية، أي أكثر استعداداً لنكسة جديدة، وكأننا في مسار تنازليّ. هي أزمة وعي تتبدى من خلال التساؤل الكبير: أيّ إسلام نريد؟ أو على الأصح: أيّ مواطن أو فرد نريد؟
وفي محاولة مثيرة للانتباه للإجابة عن هذا السؤال، نشر الكاتب التركي مصطفى أكيول أواخر كانون الأول (ديسمبر) الماضي مقالاً في صحيفة "نيويورك تايمز" قال فيه: "في حين أنه من الخطأ الزعم بأن تفكير "داعش" يمثل تيار الإسلام السائد، كما يفعل المصابون بـ"الإسلاموفوبيا" في كثير من الأحيان، فإن من الخطأ بالمقدار نفسه التظاهر بأن "داعش" ليس له علاقة بالإسلام، كما يحب أن يقول مسلمون قلقون من ظاهرة الإسلاموفوبيا". في الحقيقة، فإن ميزة قيادات السلفية الجهادية أنهم منغمسون في الفكر الإسلامي وتعاليمه، حتى وإن استخدموا معرفتهم لغايات ضارة ووحشية.
أكيول في مقاله يعيد الاعتبار لمبدأ "الإرجاء" و"المرجئة"، وهو مبدأ فقهيّ طرحه علماء مسلمون في القرن الأول من الإسلام. في ذلك الوقت، كان العالم الإسلامي يعيش حرباً أهلية كبرى؛ حيث كان مؤيدو السُنّة ومؤيدو الشيعة يتقاتلون من أجل السلطة، وكانت مجموعة ثالثة تسمى الخوارج تقوم بعزل وإقصاء وذبح كلا الجانبين. وفي مواجهة هذه الفوضى الدموية، قال أنصار "الإرجاء" إن السؤال المشتعل بشأن من هو المسلم الحقيقي، ينبغي أن يُرجأ -"يؤجل"- إلى الحياة الآخرة. وقالوا بعدم إدانة المسلم الذين يتخلى عن ممارسة الشعائر الدينية ويرتكب الكثير من الذنوب، ولم يعتبروه "مرتداً"؛ إذ الإيمان برأيهم مسألة تخص القلب، وشيء لا يستطيع سوى الله وحده تقييمه -وليس أي بشر. "المرجئة" وضعوا أطراً لإسلام متسامح، تعددي وغير قسري -أي بمنزلة ليبرالية إسلامية. ولكن، لسوء الحظ، لم يكن لديهم ما يكفي من النفوذ السياسي والتأثير الفكري في العالم الإسلامي. وسرعان ما اختفت هذه المدرسة الفكرية بسرعة، فقط لتهبط إلى أسفل الذاكرة العقائدية السُنّية المتشددة، بوصفها من "العقائد المهرطقة" أو "المجدفة" . وقد ترك المرجئة، وفق أكيول، أثراً في الجانب الأكثر تساهلاً من الإسلام السُنّي، ممثلاً بالحنفية-المتريدية، الطريقة الأكثر شعبية في مناطق البلقان وتركيا وآسيا الوسطى. لكن لا توجد هناك عملياً اليوم أي جماعة إسلامية تُعرِّف نفسها بأنها من المرجئة. ونادراً ما تُسمع كلمة "الإرجاء" في مناقشات الفقه الإسلامي.
في حقيقة الأمر، كما يرى أكيول، هناك مئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم كافة ممن يشاركون في تبني وممارسة "الإرجاء"، حتى وإن كانوا لا يعرفون هذا المبدأ. ويرتكز بعضهم على القرآن بدلاً من الشريعة الإسلامية في القرون الوسطى، ويتمسكون بالآية القرآنية: "لا إكراه في الدين". وهناك غيرهم من المسلمين الواقعين تحت التأثير الثقافي لليبرالية الغربية. وثمة البعض الآخر ممن هم تحت تأثير التصوف، نسخة الإسلام التي تركز على تقوى الفرد المرغوبة بدلاً من تلك المدفوعة بالتقيد الصارم بالقواعد والقوانين. كلمة السرّ الجاذبة هي أنّ "الحرية لون الإنسان".
التدين وعدم التدين من حقوق أي إنسان، والخشية أننا لا نريد دفع ثمن تغيير أوضاعنا الاجتماعية والسياسية المهترئة، وأننا نفتش في الإسلام عن "غطاء" لكسلنا الحضاري وانحطاطنا الفكري وعجزنا السياسي، في محاولة بائسة وتدعو إلى الرثاء تستهدف "أسلمة" انحطاطنا، وإسباغ الشرعية على كثير من أفكارنا وعاداتنا وتقاليدنا وقيمنا الاجتماعية التي تشدنا إلى الوراء.

التعليق