فريهان سطعان الحسن

حين تغدو "القيم" نقيضها!

تم نشره في الاثنين 8 شباط / فبراير 2016. 01:00 صباحاً

رغم أن القيم، بالتعريف، تحتمل الإيجابي والسلبي، لكنها بالعرف المبني على الإدراك السليم، لا يمكن إلا أن تكون سامية، لأنها قوة توجيه المجتمع حاضراً ومستقبلا، فلا يستقيم أن تكون السائدة هي تلك التي تنحدر بالمجتمع بدل الارتقاء به.
ذاك الطبيعي المفترض. لكننا نبدو في زمن أصبحت فيه صفات كنّا نتغنى بها، هي ذاتها عدونا اللدود، وحين نتحلى بها، على سموها، سرعان ما نوصف بالضعف والهشاشة في زمن لا يصلح إلا لمن استأصل قلبه وأحساسيه التي كانت يوماً توصف بـ”الجميلة”، من داخله.
يقال إنه في هذا العصر الذي نعيشه لا مكان لمن ما يزال محافظا على بعض خصاله الراقية، متمسكا بها رغما عن كل شيء، فهو بذلك بعيد عّن واقع قاس، لا يشبه فيه سكانه الآخرين.
الآن ينعتون الطيب بالساذج.. والمتسامح بالضعيف.. والعفوي بالأحمق.. ومن يثق بغيره بـ”المضحكة”.. وأوصاف لا تنتهي لخصال حميدة لم يعد لها مكان بيننا. بل كل المكان للخبيث والشكاك المرتاب، والقوي بانتقامه بكل ما أوتي من قوة.
تغيرنا وتغيرت مفاهيمنا. فحتى الصدق والعفوية والبعد عن التكلف أصبحت عملة نادرة. وحلت مكانها المجاملة لكي تستمر العلاقات وتعيش “كذباً”! فصدق المشاعر يعني خسارات مستمرة لا تتوقف. وفي المجاملة الكثير من الكذب “المكشوف”، إلا أنه مطلوب.
كم من أشخاص فاسدين يعيشون بيننا، نبدع في ايجاد المبررات لهم! هؤلاء نسميهم “فهلويين” و”شطار”. ومن يملك كما كبيرا من العلاقات، بالتزلف غالباً، هو الذي يجد مكانه في هذا العالم، بغض النظر إن كان يستحق مكانته أم لا.
هكذا، لم تعد قوتنا بإنسانيتنا، بل بنقيضها؛ قسوة وغياب أدنى تعاطف، حتى توشكا أن تصبحا معايير نتفاخر بها أمام الآخرين! فنحن في صراع نبرز فيه عضلاتنا لإثبات أننا الأكثر قسوة، والأقل طيبة.
إنسانيتنا التي كانت بلسماً في مواجهة كل جراح حياتنا، وتعكس عمق المشاعر، بتنا نخجل منها، بل ندفنها في دواخلنا إن كان قد تبقى منها شيء، فنحاول أن لا نظهرها، وقد غدت مرادفاً للضعف.
في زمن مضى، في البيت والمدرسة وحتى الجامعة، كانت قيمنا تحكمنا، ربما لأن الشر قليل والخير أكثر ويعم. لكننا في زمن كالذي نعيشه الآن، بتنا نحارب كل ما تربينا عليه، ولا ندري بعد جيل إن كانت تلك القيم والكلمات التي نشأنا عليها سنذكرها حتى في حديثنا أم لا!
لكن حين تتسيد القيم السلبية علاقاتنا مع الآخرين، لا يعود علينا أن نسأل إن كنا نتقدم أم ننهار، ولماذا ننهار !!

 

التعليق