"غينس" في بلاد العجائب

تم نشره في الجمعة 12 شباط / فبراير 2016. 01:02 صباحاً

ما يحدث في الإمارات العربية المتحدة ليس جديدا أو مفاجئا؛ فقد كانت وما تزال مثل القصص الرومانسية الجميلة، حيث تتحقق الأحلام وتختفي المنغصات وينعم الجميع بالسعادة التي يصنعها الفرسان على أحصنتهم البيضاء. إذ توالت الإنجازات بعد أن نجح الآباء المؤسسون في إنشاء نظام سياسي اتحادي بين إماراتهم السبع "الإمارات المتحدة" قبل أكثر من أربعة عقود، على أسس فيها الصدق والحكمة، وبما أسهم في الحفاظ على هذا النظام وتماسكه. وأُوجدت بيئة قادرة على استيعاب متغيرات العصر وتوظيف عناصر التكنولوجيا والتنظيم في خدمة الرفاه والسعادة، فتحولت الصحراء إلى واحات.
الإدارة والتخطيط والبيئة الخدمية الجاذبة في الإمارات العربية عامة، ودبي بشكل خاص، أصبحت حديث العالم، وحولت هذا الجزء من الصحراء العربية إلى بيئة جاذبة للاستثمار والعمل والسفر والسياحة والتسوق. آلاف الشباب العربي الذي تلقى تعليمه في الغرب، يطمح لأن يبدأ رحلة العمل في دبي أو جوارها.
قبل سنوات، كنت في زيارة لأحد الوزراء السابقين، والذي يرأس مؤسسة مصرفية رائدة. وقد أخبرني وهو يتأسى أن ابنه الوحيد الذي عاد للتو من الولايات المتحدة الأميركية فضل الالتحاق بوظيفة في إحدى المؤسسات الريادية في دبي، على العرض الذي قدمه له والده في المؤسسة المصرفية العملاقة التي يملك غالبية حصصها. واستطرد صاحبنا بأن جميع أبناء العائلة الذكور يعملون في دبي بعد أن تلقوا تعليمهم في الغرب.
في الإمارات العربية اليوم، حرية وانضباط؛ علم وتطبيق؛ إدارة ونظام. وفيها برامج تعليمية وتدريبية قلما تجد شبيها لها في الشرق. في دبي، يمكن لأي فكرة أن تجد تطبيقا في اليوم التالي. وفيها بيئة ثقافية تحترم التنوع؛ فالهنود والعرب والأوروبيون يعبرون عن هوياتهم الثقافية وطرق حياتهم في بيئة تزخر بالمرافق التي ترقى لأعلى مستوى يحلم به الرياضي والمتسوق والسائح.
في الإمارات، يمكنك أن تتذوق الشوكلاته بحليب الإبل، وأن تقيم في أكثر مباني العالم ارتفاعا "برج خليفة"، وتتملك عقارا أو منشأة صناعية أو تجارية أو خدمية من دون مواجهة التعقيدات التي يفتعلها بعض الذين يظنون أنهم يحمون أهدافا لا يعرفها غيرهم. وفي الإمارات اليوم، ثماني وزيرات؛ إحداهن للتسامح، وأخرى للسعادة، وثالثة للشباب، ووزيرة للتنمية المجتمعية. وإحدى الوزيرات الجدد لم تتجاوز الثالثة والعشرين من العمر.
التغيرات التي أجريت على هيكل الحكومة الإماراتية، ودخول ثماني نساء لتولي حقائب لم يشهد العالم مثلها من قبل (وزارة السعادة، ووزارة التسامح)، وإتاحة الفرصة لجيل من الشباب أن يسهم في صناعة القرار وهندسة المستقبل الذي طالما غيبوا عن صناعته في عالمنا العربي، هو حدث غير عادي على  المستويين العربي والعالمي. الإمارات العربية تضيف لموسوعة "غينس" للأرقام القياسية فصلا جديدا، في مجالات ظن البعض أنها قد تتحقق في أماكن أخرى.
العناوين التي حملتها المقالات التي اجتاحت الفضاء الإعلامي منذ الإعلان عن نية الإمارات إحداث وزارات يتولاها الشباب، تفصح عن دهشة البعض وتعطش الغالبية، وفي مقدمتهم الشباب والفئات المهمشة، إلى تغيير يتجاوز تلبيس نفس الأشخاص قبعات ملونة. القرارات التاريخية التي اتخذتها دولة الإمارات علامة فارقة في التاريخ العربي، وتحمل رمزية تدفعنا إلى المراجعة والتفكير في ممارساتنا التي اتخذت طابع القدسية، برغم إجماعنا أنها لم تعد مجدية.
تعيين وزراء من النساء والشباب ممن يحملون أفكارا ورؤى وطموحات تحتاجها الأجيال، يطمئن الجميع بأننا أقلعنا أو في طريقنا لأن نتوقف عن إعادة إنتاج الماضي على أيدي كهول تنقصهم الطاقة ويتملكهم الخوف من التغيير. كما يعني القرار دعوة جريئة للثقافة العربية لإدماج الشباب في الإدارة العليا، بعد أن عانى غالبيتهم كل صنوف الإقصاء والإهمال والتهميش.

التعليق