محمد أبو رمان

"كما تكونوا يولَََّ عليكم"!

تم نشره في الجمعة 19 شباط / فبراير 2016. 01:10 صباحاً

ثمّة من يتمسك، من المفكرين والسياسيين، بأولوية التغيير السياسي على الاجتماعي والثقافي، ويرى أنّ الإصلاح يبدأ بالسلطة، على القاعدة المنسوبة لعثمان بن عفان "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". فيما يتمسّك فريق من المثقفين بقاعدة معاكسة تماماً للأولى من حيث الأولويات والاهتمامات، تتمثل في الحديث الضعيف المنسوب إلى الرسول، وهو "كما تكونوا يولّ عليكم"؛ أي أولوية الإصلاح الثقافي والمجتمعي على السياسي.
خلال نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، صعدت مدرسة إصلاحية تركّز على ما نسميه في الأدبيات الفكرية بـ"المسألة الثقافية". وتقوم رؤية هذه المدرسة على أنّ الأولوية لا بد أن تكون للإصلاح الديني لمواجهة الجمود الفقهي وتحريك المياه الراكدة لتعزيز آلة الاجتهاد والتجديد، وضرورة التركيز على تغيير المجتمع وثقافته لتطوير الحياة الاجتماعية والتعليمية والأكاديمية.
من هنا تمّ التركيز في أفكار هذه المدرسة -التي تولّى التنظير لها والترويج لأفكارها كل من محمد عبده ورشيد رضا (في نسخته السلفية العقلانية) عبر تفسير المنار ومجلة المنار- على مفتاحين رئيسين؛ الأول هو الإصلاح الديني، والثاني هو التربية والتعليم. وكان الهاجس الرئيس لروّادها الولوج إلى عصر العقلانية والتنوير والثورة الصناعية في العالم العربي.
وفي الوقت الذي كان ينظر فيه كثيرون إلى الاحتلال بوصفه السبب في كوارث العالم العربي (أي العامل الخارجي)، رأى -على النقيض من ذلك- رواد هذه المدرسة بأنّ الاحتلال-الاستعمار هو "مخرجات" أو نتيجة لآفة أكبر، تتمثل في الجهل والتخلف والجمود والفجوة الحضارية بيننا وبين الغربيين، وهي القاعدة التي اختصرها لاحقاً المفكر الجزائري المعروف مالك بن نبي بمصطلح "القابلية للاستعمار"، وقريب منها شعار جمعية العلماء المسلمين في الجزائر "إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
على الطرف الآخر من هذا التصوّر للعلاقة السببية، يقف ابن خلدون الذي يقول "الناس على دين ملوكهم". وهو بذلك يعكس الآية؛ فيجعل من واقع الأمة تبعاً وتعبيراً عن حال السلطة السياسية.
عندما انبلجت ثورات "الربيع العربي"، اهتزت كثيراً مقولات المدرسة الثقافية. إذ بالرغم من أنّ المهمة التاريخية المطلوبة لم تنجز بعد؛ على صعيد التجديد والاجتهاد الديني وإزالة الجمود الفقهي، وردم الفجوة التعليمية والرقمية والحضارية، أي التغيير الثقافي المجتمعي؛ فإنّ الشعوب العربية انتفضت على الحكام المستبدين واندفعت نحو الحرية والتحرر، وتفوقت على نفسها وأسقطت للمرة الأولى في تاريخها الطغاة عبر الثورة السلمية!
لكن، مع مرور الوقت، عادت المقاربة الثقافية لتتماسك، مع التدهور الذي اعترى المسار الديمقراطي، وعودة السلطوية وصعود "داعش"، وانفجار الاستقطابات الطائفية والدينية والأيديولوجية، ما دفع بأبناء التيار الثقافي إلى إعادة صوغ السؤال من جديد: فيما إذا كانت الشعوب العربية وصلت إلى مرحلة الاستعداد الديمقراطي أم لا؟!
في ظنّي أنّ الجواب: لا هذا ولا ذاك؛ فلا يمكن الفصل بين الاجتماعي-الثقافي والسياسي، ولا يوجد هناك شرط لأولوية أحدهما على الآخر. إذ يمكن أن يكون هناك إصلاح اجتماعي-ثقافي أولاً، يؤدي إلى اقتصادي ثانياً، فيتطور إلى صراع سياسي داخلي ينتهي إلى الصيرورة الديمقراطية، كما حدث في القرون الأخيرة في أوروبا. وقد يأتي الإصلاح الديمقراطي محفّزاً ومشجّعاً على التغيير الثقافي والمجتمعي ومطوّراً له، فهناك ديناميكيات مرتبطة بكل مجتمع وحيثياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وما ينطبق على تونس، قد لا ينطبق على مصر مثلاً.
ثم إننا بحاجة إلى إعادة قراءة الثورات العربية بصورة معمّقة أكثر، كي نفهم ما حدث فيها وما بعدها. مع ضرورة التمييز بين نتائج الثورات ومخرجات الثورة المضادة التي قادتها دول عربية وإقليمية وتواطأ معها الغرب.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بلا عنوان (المتنبي--الجنوب)

    الجمعة 19 شباط / فبراير 2016.
    السلطه هي انعكاس للواقع وعنوانه وهذه المقوله الاستنتاجيه النمطيه حكم وقرار غيبي لا يصمد قانونا لكل الحالات وعندما يول بالشده على اللام .غير انها تصلح في اطار الفكر الغيبي التبريري القدري.فالعلاقه بين الواقع والسلطه علاقه تبادليه.فالواقع القويم يخلق سلطه قويمه والعكس صحيح .اي السلطه القويمه تخلق واقع قويم بعيدا عن القهر والارهاب الفكري والمادي والمعنوي فتصبح قانونا يصلح في كل مكان وزمان ومستوى لان الاسباب والنتائج متبادله ومتلازمه ويصبح يتولى عليكم والله اعلم وكلكم راعي وكلكم مسؤول عن رعيته...
  • »في العمق (mohammad mazen)

    الجمعة 19 شباط / فبراير 2016.
    ابدعت دكتور فقد وصفت الواقع الذي نعيشه بدقة و على غرار ما كتبت سابقا مع بعض التحفظات لكن مقالاتك حقيقة العمق واضح فيها اضافة الى وضوح الصورة التحليلية فيها و الحقيقة التي نعيشها دون مبالغة و تزيف للواقع ابدعت دكتور
  • »الاسلام السياسي (د. عبدالله عقروق \ فلوريدا)

    الجمعة 19 شباط / فبراير 2016.
    مدارس الفكرية التي بدا ظهورها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرنالعشرين بدات باصلاح الثقافة الدينية والثقافة المنهجية في وزارة التربية والتعليم وبما ان الحروب الصليبية التس شنتها الكنيسة الغربية على ايقاف المد الاسلامي وثم القضاء على الكنيسة الشرقية وتحطيمها لتستولي على الاماكن المقدسة . حينها وقف العرب المسلمون والعرب النصارى بدا واحدة وهزموا الكنيسة الغربية اشد هزيمة ..ففي بداية هذا القرن وجدت الحكومات الغربية وعلى راسهما الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا العظمى ان التجديد الديني الذي كان مزمع ان ينهض سوف يشكل خطرا على مصالحهم الاستعمارية في الوطن العربي وبالتالي على ولادة دول اسرائيل . فركزوا جيدا على زعزعة ايمان الناس بالدين الحنيف وخلق قادة من رجال الدين الاسلامي لتحويله الى اسلام سياسي . فاول من وقع في هذا الفخ هم معظم القيادات العربية وثم تم شرائهم ببلاين الدولارات كما اشتروا بعض رجال الدين الاسلامي ليعتنقوا المذهب الجديد وهو الاسلام السياسي ووقعوا فريسة في ايديهم وتحصيل حاصل انطلقت موجة الاسلام المتطرف وغذته جيدا الدول الغربية واستغلته لتقسيم كل المسلمين الى احزاب وشيع وجماعات متحاربة وقتل وارهاب كله باسم الدين .فبدلا من ان تكون سياسة التنوير الجديدة للدين الحنيف فنشات الخلافات الدينية في التفسير والاجتهادات ..يضلف الى كل ذلك فغياب القومية العربية من الساحة ظن المسلمون ان العامل الذي وحد كل يهود العالم هو الدين ونسوا القومية العربية وكل ذلك تم بتخبيص بين القيادات العربية والجماعات الاسلامية والولايات المتحدة الامريكية والصهيونية العالمية فبدلا ان يوحدهم الدين كما هو الحال في اسرائيل فاصبح عدوهم اللدود الي ندفع ثمنه الان
  • »"الناظم لمكنونات الحياة" (يوسف صافي)

    الجمعة 19 شباط / فبراير 2016.
    د. محمد ليست المشكلة في تقديم هذا على ذاك واو مجتمعة المهم التشريع الناظم لمكنونات المجتمع منزوع الهوى المصلحي والشخصي؟؟وما نجده من صراعات وعنف مابين الدول والمجتمعات ولوجا للعائلة الواحدة هو التشريعات الدنيوية التي صيغت وفق نظريات مؤدليجها ورغباتهم ناهيك عن القوانيين المملاة (تغول القوي على الضعيف) ؟؟ وان كان لابد من التنويه الإختلاف موجود منذ نزول سيدنا آدم مابين البشر لكن خالق الكون والأدرى بخلقه وضع تشريعه الفيصل والناظم لمكنونات الحياة لكافة خلقه دون تمييز "وان اكرمكم عند الله اتقاكم"
  • »"طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" (محمد الصبيحات)

    الجمعة 19 شباط / فبراير 2016.
    كان بودي لو تطرقت إلى الكواكبي و "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" الذي نشره في عام 1902م في سنة وفاته وكأن الرجل كتبه لنا ويعيش بين ظهرانينا. هو ركز على التحالف الخطير بين الاستبداد السياسي وشريحة المتدثرين بالدين الحنيف وقال بالاصلاح التدريجي عن طريق التعليم واعطى اولوية للأصلاح الديني بمعنى الابتعاد عن وترك التقليد وتوظيف آلية الاجتهاد والتي تعني اسقاط النص المقدس من الكتاب وصحيح السنة على واقعنا المتحرك. كان يتحدث عن الاستبداد العثماني في زمانه ولو علم ما نحن فيه بعد ما يزيد عن القرن من كتابه وتنوع الاستبداد واستفحاله وتعمق الفساد وآفة التبعية وكارثية سؤ توظيف الدين وظهور داعش ومشتقاتها لقرر الاستمرار في نومته الابدية. هو اعتبر الاستبداد السياسي اما لكل المشاكل خاصة التخلف والتراجع وغيرها ونظر على توظيف الاصلاح الديني والتعليم والزام الحكام بعقد اجتماعي مع الامة . لو كان الامر بيدي لجعلت قراءة وفهم كتاب الكواكبي الزاميا في المدارس والجامعات.