في اليوم التالي .. لاختفاء النفط !

تم نشره في السبت 27 شباط / فبراير 2016. 01:00 صباحاً

لا تستطيع أية دولة، مُصدِّرةً أو مُستهلكة، ان تنجو من القلق الذي ينتاب العالم كله إزاء هذا التدهور الذي أصاب “ أسعار النفط”، وأصاب أيضاً قيمته الإعتبارية الهائلة النفوذ التي استحقَّها منذ انجلى غبار “الفحم” عن المناطق الصناعية وأسواق المال.
و”النفط” الذي كان مُهدداً لعقود من قبل الحكومات والشركات التي لطالما لوَّحت بورقة “الطاقة النظيفة”، يواجه الآن مسألتين مُعقدَّتين؛ الأولى تتمثل بالقلق الذي يساور الدول المنتجة حول مخزونها الاحتياطي، والدراسات التي تنكبُّ على البحث عن مصادر بديلة، وسبل دعم وانقاذ الاقتصادات الصناعية في حال حدوث انتكاسة مفاجئة في موازين الانتاج، والثانية هي مسألة بتروسياسية محضة؛ تتمثَّل في “تسييس” أسواق البترول وأسعار البيع، بل الذهاب الى أبعد من  “التسييس” وصولاً الى”العسكرة”، حين صارت آبار وحقول النفط أهدافاً لا تقل أهمية في حروب المنطقة عن المطارات و”القواعد العسكرية”، بحيث يجري الاستيلاء عليها وبيع مخزونها في أسواق سوداء (سياسية أيضاً) كما هو حاصل الآن في تلك الآبار التي يسيطر عليها “داعش”، أو يجري حرقها او قطع إمداداتها كما يحدث في أغلب مناطق الصراعات الساخنة والحديثة، وبالتالي جرى تحويل هذه الآبار الثمينة إلى غنائم عسكرية من الدرجة الأولى مدرّة للتمويل الفوري والعاجل للتنظيمات والفصائل المتحاربة، ولم تعد مجرد “أوراق سياسية” للتفاوض.
يحدث كل ذلك فيما الدول المستهلكة تترقب ردّات الفعل وحسب.
حيث لا يبدو على أي من هذه الدول الفقيرة أنها مهيأة لامتصاص الصدمات المتتابعة في السوق، أو أن اقتصاداتها الاستهلاكية الهشَّة قادرة على الصمود في حال نضوب هذا النهر الدافق، وهل ثمة “طاقات نائمة” يمكن البحث عنها وتنشيطها، وهل ثمة استعداد لدى هذه المجتمعات للتحول الى مجتمعات منتجة، سواء على مستوى خلق أو تنمية الصناعات الصغيرة، وهل يمكن تدارك طبيعة هذه المجتمعات التي تشكَّلت على أساس توافر النفط كمصدر دائم ورئيس ومستقر ؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الدول المنتجة والمصدرة هي الأكثر تضرّراً في حال انهيار أسواق النفط، وقد يكون ذلك صحيحاً مرحلياً، لكن هذه الدول استطاعت على مدار عقود من البيع والإنتاج الباهظ أن تؤسس لاقتصادات قوية متنوعة وبديلة، حيث لم يعد النفط في أغلب هذه الدول هو السوق الأساس التي يعتمد عليها الناتج القومي، لكنها السوق الأكثر أهمية استراتيجية وسياسية.
في المقابل تطرح أزمة النفط الحالية سؤالاً جديداً عن طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب، والوزن الإقليمي والدولي الذي ستؤول اليه الدول المنتجة والمُصدرة في اليوم التالي لإنقضاء سيطرة النفط !
فالهيمنة التاريخية (بل والجغرافية) التي تحققت للنفط  والتي دائماً ما كانت وحدة قياسها “البراميل المصدَّرة”، تبدو وكأنها قد تتبدَّد في حال انهيار سعر النفط (وسُمعته)، وسيكون لذلك آثاره المدوية على حجوم العلاقات السياسية المتبادلة، و”الأوزان” الثقافية والحضارية إقليمياً ودولياً، ما يطرح حينها خريطة جديدة للتفاهمات السياسية والاقتصادية وفق شروط متغيرة.
وسيطرح أيضاً أسئلة مفاجئة حول نوع العلاقة التي ستحظى بها “القنوات الجافّة” مع الزبائن السابقين، وإلى أي حد سيكون ممكناً خلق تفاهمات جديدة بين “الثقافات” بديلة لتلك التي كان يحكمها منطق السوق، ولياقاته المهذبة، وشروطه العميقة.
المحصلة أن السؤال الاقتصادي سيكون سؤال العام، والأعوام المقبلة، ولن يقل أهمية عن سؤال النزاعات والحروب المشتعلة، بل ربما سيفوقه أهمية كون بمقدور “المال” دائماً إطفاء أو إشعال أي حرب.
وسيكون على الاقتصادات المطمئنة أن تكون جاهزة للإجابة عن أسئلة مداهِمة من نوع الخبر المنشور قبل يومين مثلا حول انتاج الهند لهاتف محمول سيباع بـ 4 دولارات !

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ازمة طارئة (هاني سعيد)

    السبت 27 شباط / فبراير 2016.
    سيبقى النفط وملحقاته من طلب وعرض واسعار ومخزون واحتياطي وانتاج واستراتيجية وتقييم وهبوط وارتفاع وبورصة وسياسات وعلاقات تجارية وتنافس واقتصاد هو الذهب الاسود الذي لن يفقد بريقه مهما على مر العصور مهما روج لذلك من يروج لمثل هذه الشائعات بل على العكس كان طبيعيا ان يتخفض سعره مع مرور الزمن لأن السعر لا يقيم بما تعد دول الخليج من ميزاتيات مبالغ في تقديرها بل يقيم بناء على الطلب والعرض كما هو معروف بالاقتصاد في كل نواحي الحياة
    وهذا الذي من المفروض ان يتم وليس على اساس تسعيره من قبل قوى عالمية تخرج عن هذا المبدأ لتحقيق مصالحها فيعملوا على تسييس اسعار البترول على مزاجهم وخروجا عن النظرية الاقتصادية لأن هذا فيه رفع لاسعار السلع المصنعة والذي لم تنخفض بانخفاض اسعار البترول وهذه نقطة تسجل ضد الاقتصاديين الذين لم يطالبوا بهذا الانخفاض حيث الدول المصنعة تعزي الغلاء في السلع الى ارتفاع اسعار البترول