أبو دية: المبدع الحقيقي قادر على الرؤية في الضباب

تم نشره في السبت 5 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً
  • الشاعر حسن أبو دية - (الغد)

عزيزة علي

عمان – يرى الشاعر والروائي والقاص حسن أبو دية أن المبدع الحقيقي، قادر على الرؤية في عالم الضباب، لأنه يرى ببصيرته لا ببصره، مؤكدا أن المبدع قادر على أن يستشفّ الصورة، ويحللها ويركبها، ولن يضيره ضبابية الرؤية، أو تعقيد المواقف.
ويصف أبو دية، في حوار مع "الغد"، لحظة القبض على القصيدة قائلا: القصيدة أنثى مشاكسة، تفاجئك بحضورها، لكنّها أيضاً – كما الأنثى – عزيزة النفس، ولها كبرياؤها الخاص، فإن أهملتها للحظات ذهبت دون رجعة، وهي لا تقبل الاعتذار، فالحالة الشعرية، أو لحظة المخاض لا تُستعاد، ولا يمكن أن تتكرر، أو تستدرج.
ويضيف "لا خيار أمام الشاعر في تلك اللحظة.. إمّا ميلاد القصيدة أو تذهب سقطاً. هذا عن ميلاد القصيدة، أمّا فترة التلقيح والحمل، فلا يمكن لأيّ كان أن يعرف متى كانت، أو كيف تمّت. هي ولادة بكلّ ما تعنيه الكلمة، بدءاً من القلق والمعاناة حتى المخاض".

• تكتب الشعر والقصة، كيف نصفك: هل نقول شاعر أم قاص؟ وأيهما أقرب إليك؟
- البدايات الأولى كانت في الشعر، برغم أنّ الكتاب الأول كان مجموعة قصصية، ولأنني أمارس الكتابة كما أمارس الحياة، لا أهتم كثيراً بالتصنيفات، ففي أعماقي شاعر يعشق السرد، وربما إيماني المطلق بأنني لست محترفاً، يجعلني أثور على كثير من التفاصيل الصغيرة، فأكتب القصة بروح شاعر، وأكتب القصيدة بروح قاص، وأكتب النص المفتوح بالروحين معاً، وأنا على أبواب إتمام محاولتي الأولى في الرواية التي تراودني منذ زمن، وقد ترى النور قريباً..
وكتاباتي تشبهني كثيراً، بفوضويتها وعفويتها وانتمائها وشيطنتها وملائكيتها وحنينها. أكتب لأنني أحيا، وأحيا لأنني أكتب. من هنا لا أكترث إن وُصفتُ بالقاص، أو بالشاعر، أو بالروائي، أو – كما أردد دوماً – بمتقن فن الخربشة. ما يهمّني حقيقة أنّي أمارس ذاتي في حروفي، وأن تصل هذه الحروف لقلوب متلقيها وتستقر فيها وليس لأطراف آذانهم. وبرأيي هذا هو الخلود الحقيقيّ للكلمة مهما كان تصنيفها.

• هل كتابة الرواية، نوع من الحفاظ على البقاء كون نجم الشعر أصبح مهدداً بالغياب؟
- الرواية والقصة القصيرة، بناءٌ من نوع خاص، فالكاتب يختار بكثير من العقلانيّة شخوصه وعوالمه، لكنّ الشعر  روح الحياة وسرها الأبدي، ومخطئ من يظن أنّ نجم الشعر مهدد بالغياب، هو باقٍ ما بقيت الحياة، قد يمر في فترة محاق لظروف بعيدة كلّ البعد عن كنهه، لكنّه يعود ليسطع ويتصدر سماء الأدب وينير مجاهل الروح بعبقه الأثيري. وبرغم ملاحظة أنّ شعراء كثرا اتجهوا للأعمال السرديّة، ولعلّهم أرادوا مساحة أوسع لفكرتهم، ومن نافلة القول إن هؤلاء الشعراء أو بعضهم نجح في ترك بصمته الخاصة في عالم السرد، لكنّ لم أشهد – في حدود معرفتي المتواضعة – روائياً ينجح في كتابة القصيدة.

• حدثنا عن منابعك الثقافية التي تستقي منها كتاباتك.
- الثقافة مسألة تراكميّة، لا يملك إنسان أن يحدد منابعها الخاصة به، فالحياة منبع، والقراءات منبع، والتفكّر منبع، والمعاناة منبع، وحكايا الأجداد منبع، إما إن كان مرمى السؤال عن قراءاتي، فقد ابتُليت بعشق الكتاب منذ صغري، ولا أقنّن قراءاتي، بدءاً من القراءات في الأديان، وليس انتهاءً بما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر. أقرأ ما استطعت إلى القراءة سبيلاً، ولست ممّن يقدسون وثنَ شهرةِ المؤلفِ، فكثيرة هي الكتابات التي لم تستهوني برغم أنها لنجوم لامعة في الأدب، وبالمقابل قد أثمل لقراءة سطر أو اثنين لكاتب أو كاتبة ربما لم يسمع بهما أحد.

• في ظل ما يحيط بالعالم العربي من ضبابية في الرؤية، كيف ترى حال الابداع والادب. هل يستطيع الكاتب ان يستشف الصورة؟
- قلت ذات مقابلة، أنا وقلمي فرسا رهان نستطلع ما بعد اللحظة المقبلة، وما أزال أعتقد أن المبدع الحقيقي، قادر على الرؤية في عالم الضباب، لأنه يرى ببصيرته لا ببصره، هو في حاله هذه قريب من حالة النبوّة الملهمة.
إنّ ما يميّز المبدع عن غيره شفافية الحس والقدرة على التعبير عن هذه الشفافية، ولعلّ عجز البعض عن الرؤية هو أنه أتبع المبدع في أعماقه لفكره الأيديولوجي، فأصبح الأديب تابعاً للسياسي، يسعى لكسب رضاه ونيل مغفرته إن زلّ، أمّا ما يجب أن يكون فهو العكس، ولطالما رأينا في التاريخ عظماء سياسيين يحاولون استمالة المبدعين ونيل رضاهم.
عودة إلى لبّ السؤال، سأجزم أنّ المبدع قادر على أن يستشفّ الصورة، ويحللها ويركبها، ولن يضيره ضبابية الرؤية، أو تعقيد المواقف. سيبقى حصاناً أصيلاً يصهل حتى لو كان صهيله في البيداء. طالما نأى بنفسه عن التدجين. وتعالى أن يكون مطيّة.

• تقول إنك متابع وتقرأ ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي. برأيك ماذا قدمت هذه المواقع للمبدع؟
- أزعم أني أتابع بما تسمح لي ظروف عملي، عموما هذا العالم المذهل فتح الآفاق على مصراعيها أمام الكلمة، فلم تعد أسيرة الجغرافيا، وأصبح لها أجنحة عصية على المنع. قدمتنا هذه المواقع لأنفسنا أولاً، لعشاق الكلمة، غدونا نقرأ الكلمة حال ولادتها، وجنبتنا الانتظار الطويل لوصولها لنا في كتاب أو صحيفة أو مجلة، وهذا إنجاز لأي كاتب. عندما تجوب كلماته في ثوان معدودة مشارق الأرض ومغاربها، ليقرأها جمهور مختلف الأذواق والمستوى الثقافي، ولم تعد حكراً على طبقة خاصة، ومن أهم ما قدمته أيضا كسر الشللية المعهودة في الأوساط الأدبية. فلم يعد المبدع بحاجة لتملق مسؤول ثقافي هنا أو هناك، ليجود عليه بنشر نصه.

• كيف ترى ما ينشر من (نصوص) عبر هذه المواقع؟
- للنصوص المنشورة مستويات متباينة، شأنها في هذا شأن ما تضمه الكتب والمجلات والصحف، ففيها الغث والسمين. هذه المواقع - كما كل وسائل النشر المرئي والمسموع والمقروء - وعاءٌ ليس إلاّ. ولكن الأمر أيضاً لا يخلو من محاذير، إذ بدأت تظهر سمات خاصة بالكتابات، تميل للإيجاز والسرعة، لتناسب طبيعة النشر وطبيعة القارئ.

• كيف ترى علاقة الإبداع بالسياسة؟
- اﻹبداع حالة خلق، والسياسة حالة تدجين. اﻹبداع روحه الثورة والتمرد، والسياسة روحها فنّ الممكن، والوجود الحقيقي ﻷي أمة هو هويتها الثقافية، لهذا السبب تنفق الأمم المتقدمة مبالغ طائلة في سبيل نشر ثقافتها. وأجزم هنا أن صراعنا الثقافي مع العدو الصهيوني، هو في طليعة ساحات الصراع. إنهم يحاولون السطو على ذاكرتنا، تراثنا، مفردات حياتنا.. وعلى المبدع أن يكون الحارس الأمين فهو حائط الصد الأخير في الزمن الرديء.

• ديوانك "نقوش على خاصرة ايلون" احتفاء بالمكان. ماذا يعني لك المكان؟
- لنقل بشكل أدق، هو احتفاء بالذاكرة، فأيلون (يالو) هي قرية كنعانية هدمها الصهاينة في حرب 1967، ولم يكتفوا بذلك، بل أنكروا وجود قرية بهذا الاسم. ولعل القلق الذي يسببه فقد الصلة المباشرة بالمكان، ينعكس تلقائيا تشبثاً به ليصبح مسرى للروح.
سنوات حياتي تتوزعها عدة مدن عربية، لكن الروح تأبى التوزع والانشطار. لهذا ربما يكون ديواني نقوش على خاصرة أيلون.. تراتيل حج في رحلة الإسراء الدائمة لقريتي.
 يالو هي القريبة القريبة، تخرج من المفهوم التقليدي للقرية لتدخل حالة الوحي. هي جغرافيا الروح، نتوارث تفاصيلها الصغيرة كما نتوارث جيناتنا، نعيش معها في حكايات الجدات وتعيش معنا في تفاصيل حياتنا، نبادلها العشق، فهي أرض تحبنا و نحبها، والحب حالة انتشاء لا تقبل التأويل والمنطق.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »محب لكل ما يكتب ابودية (أبو دية)

    السبت 5 آذار / مارس 2016.
    رائع انت يا أخي ابو عمار
  • »واجب (حطين)

    السبت 5 آذار / مارس 2016.
    لا استغرب هذا الابداع من كاتب منذو صغره وهو يحمل على كاهله حب وطنه وخدمة شعبه فهو أب لكثير من الشباب الذين يسيرون على دربه يتلقون النصائح منه ....شكرا أخي وأطال الله في عمرك وقلمك
  • »واجب (حطين)

    السبت 5 آذار / مارس 2016.
    لا استغرب هذا الابداع من كاتب منذ صغره وهو يحمل على كاهله حب وطنه وخدمة شعبه فهو أب لكثير من الشباب الذين يسيرون على دربه يتلقون النصائح منه ....شكرا أخي وأطال الله في عمرك وقلمك