عملية إربد ومكافحة الإرهاب: النتائج والدروس

تم نشره في الخميس 10 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً
  • افراد من قوات الأمن يقفون قرب المنزل الذي استهدفته مداهمة في اربد الاسبوع الماضي - (تصوير: محمد ابو غوش)

د. سعود الشرفات*

ببساطة، تعني مكافحة الإرهاب: إحباط العمل الإرهابي والحيلولة بالطرق والوسائل كافة دون تنفيذه على أرض الواقع، أياً كان نوع هذا العمل الإرهابي؛ سواء كان تفجيرات، أو عملا انتحاريا، أو خطفا، أو احتجاز رهائن. وبالبساطة نفسها، فإن نجاح العمل الإرهابي؛ بتنفيذه على أرض الواقع، ومهما كان حجم الخسائر الناتجة عنه، يعني فشل الأجهزة الأمنية المختلفة في مكافحة الإرهاب.
ومن ثم، يمكن القول؛ استخباريا وأمنيا، إن عملية إربد كانت من أنجح عمليات مكافحة الإرهاب في الأردن وفي العالم ضد تنظيم "داعش" منذ ظهوره. وهذا رأيي وكثير من خبراء الإرهاب والجماعات الإسلامية المتطرفة. دليل ذلك أن "داعش" نفذ عمليات إرهابية في فرنسا وأميركا وبلجيكا وأستراليا وأندونيسيا ونيجيريا والعراق واليمن وليبيا وتونس وغيرها، فلم تنجح أي دولة منها بعملية مكافحة الإرهاب؛ حيث كانت الأجهزة الأمنية فيها تتدخل بعد أن يكون الإرهابيون قد نفذوا العمل الإرهابي وحققوا هدفهم بالصدمة والترويع وإثارة الرأي العام عبر وسائل الإعلام المختلفة.
وعملية إربد تذكرنا بعملية مكافحة الإرهاب التي نفذها جهاز المخابرات العامة الأردنية وأحبطت مخططا لتنظيم "القاعدة في بلاد الرفدين"، كان خطط له أبو مصعب الزرقاوي، وكلف بالتنفيذ عزمي الجيوسي وخليته في نيسان (أبريل) 2004. وقد اعترف الارهابي الجيوسي بأن المخطط الإرهابي كان يستهدف رئاسة الوزراء ودائرة المخابرات العامة والسفارة الأميركية في عمان؛ إذ قامت الخلية الإرهابية بتجهيز 20 طنا من المتفجرات الكيماوية، كما تجهيز الحاويات والسيارات الكافية واللازمة للعملية التي كانت على وشك التنفيذ، وكانت ستسفر، كما قُدّر، عن مقتل 80 ألف إنسان، وإصابة 160 ألفا آخرين. واستعرض الجيوسي في اعترافاته كيفية صناعة المتفجرات وتجهيز السيارات والتعاقد مع محال للحدادة لصناعة الحاويات واستقبال الإرهابيين، مؤكدا أن العملية لو تمت لأدت إلى تفجير منطقة المخابرات العامة بأكملها، وبمساحة قطرها كيلومترين. وأشار إلى دور العناصر الإرهابية المشاركين في هذه العملية، مؤكدا أنه كان ينوي الانتقال بالسيارات إلى منطقة وادي السير بصفتها الأقرب إلى دائرة المخابرات العامة، وأن الخطة كانت تستهدف اقتحام بوابة المخابرات العامة بسيارة "مان" مفخخة مزودة بصدام قوي كاف لإزاحة أي جدار يعترضه، والوصول إلى مركز الإدارة وتفجيره، على أن يتبع ذلك سيارات مفخخة لتنفجر في باقي أقسام الدائرة.
وكانت الأجهزة الأمنية اعتقلت قائد هؤلاء الإرهابيين؛ عزمي الجيوسي، وكلا من أحمد سمير حسين شريف حسين وأنس شيخ أمين ومحمد سلمة شعبان وحسني شريف حسين، في سلسلة مداهمات كان آخرها في 20/ 4/ 2004. أما بقية أفراد المجموعة، وهم موفق عدوان وحسن سمسمية وصلاح المرجة وإبراهيم أبو الخير، فقد قتلوا خلال عملية المداهمة بعد أن رفضوا الاستسلام، وأطلقوا النار على رجال الأمن.
هذا تذكير، مرة تلو مرة، بخطر الإرهاب واستهدافه الأردن، وتذكير آخر بأهمية إربد والحواضن التقليدية الخطيرة للجماعات الإرهابية. فإذا كانت الزرقاء قد خرّجت الزرقاوي وسلسلة طويلة من الإرهابيين المعروفين للأجهزة الأمنية، قضى كثير منهم خارج الأردن، خاصة في أتون الحرب في العراق، فإن درس إربد والخطر القادم من الشمال سؤال يفرض التركيز عليه ومراقبته استخباريا بعناية أكثر، عملياتيا وتحليلا. فهذه ثاني عملية بهذا الحجم والخطورة تفرزها بيئة التطرف الديني في إربد. والسؤال: لماذا إربد؛ وما المميز فيها؟ وقد نعود للإجابة عن هذا السؤال في مقالات مقبلة، لكن هناك الكثير من النتائج والدروس التي يمكن الاستفادة منها من عملية مكافحة الإرهاب في إربد، وهي:
1- عمق التلاحم الوجداني بين قائد الوطن جلالة الملك عبدالله الثاني والشعب الأردني. إذ حفر جلالة الملك صورة ومشهدا إنسانيا لن يُنسى في وجدان الأردنيين. وهذه حالة لا أريد المزاودة فيها، وهي أكبر وأجلّ من أي توصيف.
2- إن مكافحة التطرف الديني والإرهاب بحاجة إلى عمل وسهر وتضحيات بالنفس، بما هي حرب من نوع آخر؛ "حرب عالمية ثالثة" كما وصفها جلالة الملك في أكثر من كلمة وخطاب، من على منابر عالمية. وقد كان بطلنا الرائد راشد حسين الزيود، وسبقه البطل الطيار معاذ الكساسبة، شهيدين على هذا الدرب الطويل.
3- هناك إجماع في الشارع الأردني، بكل أطيافه الشعبية والحزبية ومؤسسات المجتمع المدني، بأن العملية زادت من اللحمة الوطنية والشعور العميق بالمواطنة، ودلّت على عمق وعي الأردنيين وإدراكهم لحجم التغيرات والتحولات السياسية والمجتمعية. وهي حالة نرجو البناء عليها لمستقبل الأيام، علّنا نغادر "عقلية الفزعة" إلى الأبد، لأن مثل هذه الأحداث هي التي تبني عميقا في الوجدان الشعبي، وتؤسس للتغير المنشود.
4- التأكيد على ضرورة بناء الرواية الواحدة لعقل الدولة، وعدم تعدد وتشتت الروايات لأجهزة الدولة. فرواية الدولة لأي حدث يجب أن تكون معدة بالتشاور مسبقاً بين أجهزة الدولة المعنية كافة، من خلال "مجلس السياسات الوطني". ويفترض أن تكون هذه الرواية هي المرجع لكل وسائل الإعلام والمهتمين داخليا وخارجياً.
5- على المستوى الفكري؛ كان جلالة الملك وما يزال أكثر زعيم عربي وإسلامي وعالمي يركز في كلماته وخطاباته داخليا ومن على المنابر العالمية على مسألة نقد خطاب التطرف الديني والإرهاب، وربطه بسيرورة العولمة والقضايا الاقتصادية والدولية والإقليمية، وبالذات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والتدخلات العسكرية في الدول العربية، لاسيما العراق وسورية. ثم دور تشابك وترابط هذه القضايا في استمرارية متوالية تحفيز وتشجيع بيئة التطرف الديني، خاصة الإسلامي منه.
6- بناء على ذلك، فإنني أرجو اقتراح مقاربة للنقاش العام، تقوم على ضرورة النقد الحضاري العام لخطاب التطرف الديني المفضي للإرهاب، كمدخل خاص لنقد الخطاب الديني الإسلامي بشكلٍ عام. نقد عميق؛ يبدأ أولا من مراجعة المناهج الدراسية في المدارس والمعاهد والجامعات، لأنها هي الأساس للمستقبل؛ ثم بنية وسلوك المؤسسة الدينية، والقوانين والتشريعات، ثم كافة تصوراتنا عن الطبيعة والحياة.
إن عملية إربد وغيرها من العمليات، والشهداء من معاذ الكساسبة حتى راشد الزيود الذين ضحوا بحياتهم في المعركة ضد الإرهاب، والتحولات والتغيرات العميقة التي شهدتها البلاد منذ انطلاقة "الربيع العربي"، وموجات الهجرة واللجوء، والمشاكل الاقتصادية، ثم نجاحنا وبعبقرية يشهد لها العالم في استيعابها وهضمها واجتيازها ثم البناء عليها؛ كل ذلك يمثل فرصة مناسبة وثمينة للشروع، من دون إبطاء، في تنفيذ المقاربة أعلاه، حتى وإن كان ذلك على مراحل زمنية مدروسة.

*مدير مركز شُرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب

التعليق