هل تستحق أوروبا كل هذا العناء؟

تم نشره في الاثنين 14 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً
  • اجتماع للاتحاد الأوروبي - (أرشيفية)

جان بيساني-فيري*

باريس- عندما انضمت المملكة المتحدة إلى السوق الأوروبية المشتركة في العام 1973، فإنها كانت في مؤخرة التكامل الأوروبي. والسؤال الذي يطرحه استفتاء بريطانيا القادم على استمرار عضويتها في الاتحاد الأوروبي هو ما إذا كانت بريطانيا ستكون الآن في طليعة التفكك الأوروبي.
ولا تتعلق القضية بالاتفاقية المتواضعة التي توصل إليها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مؤخراً مع زملائه في الاتحاد الأوروبي. ومن الصعب في واقع الأمر الاعتقاد بأن تلك الاتفاقية سوف تحدد الخيار المصيري لبريطانيا في حزيران (يونيو). فالقضية الأساسية هي ما إذا كانت عضوية الاتحاد الأوروبي ما تزال تحقق فوائد كبيرة تكفي لتفوق خسارة السيادة التي تنطوي عليها مثل تلك العضوية.
وليست هذه المسألة قضية للنقاش في بريطانيا فحسب. والإجابة عن هذا السؤال بالنسبة للعديد من الناس في الاتحاد الأوروبي صعبة للغاية، نظراً لأن الموضوع الأوروبي ينطوي على شحن عاطفي. وفقط في بريطانيا يستطيع وزير من الحزب نفسه الذي جعل البلاد تنضم إلى الاتحاد الأوروبي أن يدعو إلى الخروج منه. بينما لا يجرؤ أي سياسي من الأحزاب الرئيسية الألمانية أو الفرنسية أو الأسبانية على مناقشة هذا الموضوع بشكل مفتوح، ناهيك عن الدعوة إلى الطلاق مع الاتحاد.
لكن من الصعب تجاهل المسألة. ففي معظم دول الاتحاد الأوروبي، هناك شرائح كبيرة من الرأي العام غير راضية عن الاتحاد، والتي يزداد تعاطفها مع الأراء القومية. وفي استجابة لذلك، يقوم العديد من السياسيين بمداهنة أوروبا بينما يركزون في الوقت نفسه على الحلول القومية البحتة. وهذا الموقف المتعارض -الذي ينطوي على مفارقة في كثير من الأحيان- وضع أوروبا في توازن غير سعيد. إنها لا تستطيع الرجوع إلى الخلف ولا التقدم إلى الأمام، وهو وضع لا يرضي أحداً.
يأمل المرء بعد أن بدأت النقاشات القوية المتعلقة بعضوية الاتحاد الأوروبي أن تكون تلك النقاشات صريحة بما يكفي لكي يتعلم منها الجميع، وقد أصبحت الفوائد الاقتصادية لعضوية الاتحاد الأوروبي موضوعاً للنقاش الجاد.
يصف الاقتصاديون التكامل الإقليمي بأنه مقايضة بين اقتصادات الحجم وتنوع التفضيلات. فمن خلال الانضمام، تكتسب البلدان الفعالية والنفوذ على حساب القبول بسياسات لا تتوافق مع خياراتها بالضبط. وعلى سبيل المثال، تتمكن الشركات من الوصول إلى سوق أكبر ويستفيد المستهلكون من أسعار أقل، ولكن الأنظمة والأحكام تكون أقل تناغماً مع رغباتهم. ويشبه ذلك مشاركة شقة سكنية ما مع آخرين، حيث يمكنك ذلك من خفض نفقاتك، لكنه يرتب عليك في الوقت نفسه التأقلم مع عادات زملائك في السكن.
لقد أصبحت التفضيلات في أوروبا اليوم أقل تبايناً بكثير من ما كانت عليه قبل عقود قليلة. وكانت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، مارغريت ثاتشر، والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، أكثر تبايناً بكثير من الناحية الأيديولوجية مقارنة بمن خلفهما في الحكم. صحيح أن البريطانيين ما يزالون أكثر ميلاً إلى الأسواق الحرة مقارنة بالفرنسيين، لكن الفجوة بينهم أصبحت أضيق بكثير، مما يعني أنه ليس هناك أساس واقعي لمن يدَّعون بأننا أصبحنا زملاء سكن أكثر تعاسة منذ الثمانينيات.
كما أن الاتحاد الأوروبي لم يغامر في مجالات لا يقدم فيها أي قيمة إضافية. فقد أطلقت حكومة كاميرون الأولى مراجعة لاختصاصات الاتحاد الأوروبي في العام 2012 لتحديد ما هي المجالات التي يتمتع الاتحاد الأوروبي بتحديدها مقارنة بالاختصاصات المحلية للمملكة المتحدة. وبعد مشاورات عامة شاملة و32 تقريرا دقيقا للغاية، لم ينتج عن المراجعة أي مطلب باستعادة جوهرية للاختصاصات.
ربما لهذا السبب يركز مناصرو فكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي عادة على الفوائد المتناقصة للتكامل الأوروبي، ويزعمون بأن بريطانيا ستكون أفضل حالاً بكثير لو أنها لعبت أوراقها وحدها. فلماذا نتفاوض مع الشركاء في القارة بينما تستطيع المملكة المتحدة التجارة مع العالم بأكمله؟ أليست الاقتصادات الصغيرة والمفتوحة مزدهرة كما هو الحال مع سنغافورة؟
لكن هناك اعتراضات جدية على هذا الطرح. أولاً، تكفي التجارة الحرة من أجل بيع القمصان. ولكن التجارة في الخدمات تحتاج إلى تشريعات ومؤسسات مفصلة (مثل السلطات المرتبطة بقطاع ما) من أجل تطبيقها. ومن دون جهاز تنظيمي شامل، فإنها لا تمكن التجارة بالخدمات المالية أو المتعلقة بالرعاية الصحية وغيرها.
من المفهوم أن القول إن كل ما نحتاج إليه فقط هو إزالة الرسوم الجمركية والبيروقراطية والروتين هو محض خيال. فالمملكة المتحدة القوية من حيث الخدمات تحتاج إلى الإطار المؤسساتي الذي توفره السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي أكثر بكثير من دول أخرى مثل بولندا، التي تعد أقوى من حيث البضائع.
ثانياً، يعاني الإطار التجاري العالمي نفسه من مشاكل خطيرة. وقد تم إكمال جولة الأوروغواي، وهي آخر اتفاقية عالمية للتجارة في العام 1994. لكنه لم يتم استكمال خليفتها المفترضة "جولة الدوحة للتنمية"، بعد. ومن الممكن أن لا يتم إكمالها مطلقاً. وتعتمد التجارة العالمية بشكل متزايد على الترتيبات الثنائية أو الإقليمية.
وطبقاً لمنظمة التجارة العالمية، فإن هناك 267 من تلك الاتفاقيات ما تزال سارية المفعول، بما في ذلك 49 اتفاقية تتضمن الاتحاد الأوروبي. وبعكس التصور الشائع، فإن العولمة لم تقم بجعل الترتيبات الإقليمية غير ذات صلة، بل على العكس من ذلك، حيث اعتمدت العولمة إلى حد كبير عليها.
تعاني العولمة في واقع الأمر من ضعف متزايد. وقد دعمتها القيادة الأميركية في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، لكن الولايات المتحدة الأميركية لم تعد ترى نفسها وصية على الأحكام متعددة الأطراف. ولعل جهود الولايات المتحدة الأميركية لخلق منطقتين ضخمتين للتجارة الحرة -الشراكة عبر المحيط الهادئ والشراكة التجارية والاستثمارية عبر المحيط الأطلسي، وكلتاهما لا تتضمن الصين- هي إشارة إلى الأولويات الأميركية واللاعبين الكبار الآخرين، من الصين إلى منتجي البضائع لا يشعرون بالخجل من استخدام قوتهم الإقتصادية.
على الرغم من الضعف الذي أصاب الاتحاد الأوروبي، فإنه ما يزال لاعباً اقتصادياً كبيراً يشارك في تشكيل العالم من حوله. فهو يضع المقاييس ويفاوض ويطبق الأحكام، ما يعني أن لديه نفوذاً أكبر مما يقر به معارضوه. ونظراً إلى أن الاتحاد الأوروبي نفسه مبني على الأحكام والقواعد، فإنه البطل الأقوى للترابط الإقتصادي المبني على أساس الأحكام. ولهذه الأسباب وحدها، سيكون التخلص منه مقامرة خطيرة.
إذا كانت الحجج المنطقية لا تدعم ترك الاتحاد الأوروبي، فلماذا إذن تمت إثارة مثل هذا السوال؟ يعود الجواب إلى حد ما إلى حقيقة أن الاتحاد الأوروبي قد خيب الآمال. لكن هذا سبب يدعونا إلى إصلاحه وليس تركه. كما أن الديمقراطية الانتقالية لم تؤد المطلوب منها. وليس الجواب في التخلي عنها، وإنما بجعلها تنجح. إن الرابط العاطفي الذي يجمع أوروبا معاً قد أصابه الجفاف. ولكن هذا يدعونا إلى التغيير وليس الانقياد لضيق الأفق.

*اقتصادي فرنسي، وأستاذ كلية هيرتي للحكم في برلين، ويعمل الآن مفوضاً عاماً للمعهد الاستشاري "استراتيجية فرنسا" في باريس.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق