هل تستحق أوروبا كل هذا الجهد؟

تم نشره في الأربعاء 16 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً

جان بيساني فيري*

باريس- عندما انضمت المملكة المتحدة للسوق الأوروبية المشتركة سنة 1973، كانت في مؤخرة التكامل الأوروبي والسؤال الذي يطرحه استفتاء بريطانيا القادم على استمرار عضويتها في الاتحاد الأوروبي هو ما إذا كانت بريطانيا الآن في طليعة التفكك الأوروبي.
إن القضية لا تتعلق بالإتفاقية المتواضعة التي توصل إليها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مؤخرا مع زملائه في الاتحاد الأوروبي وفي واقع الأمر من الصعب الاعتقاد بان تلك الاتفاقية سوف تحدد الخيار المصيري لبريطانيا في حزيران (يونيو). إن القضية الإساسية هي ما إذا كانت عضوية الاتحاد الأوروبي ما تزال تحقق فوائد كبيرة كافية تفوق خسارة السيادة التي تنطوي عليها مثل تلك العضوية.
إن هذه ليست قضية للنقاش في بريطانيا فحسب فبالنسبة للعديد من الناس في الاتحاد الأوروبي فإن إجابة هذا السؤال صعبة للغاية وذلك نظرا لأن الموضوع الأوروبي ينطوي على شحن عاطفي. فقط في بريطانيا يستطيع وزير من نفس الحزب الذي جعل البلاد تنضم للاتحاد الأوروبي الدعوة للخروج منه. لا يجرؤ أي سياسي من الاحزاب الرئيسية الألمانية أو الفرنسية أو الإسبانية أن يناقش الموضوع بشكل مفتوح ناهيك عن الدعوة للطلاق.
لكن لا يمكن تجاهل المسألة ففي معظم دول الإتحاد الأوروبي فإن شرائح كبيرة من الرأي العام غير راضية عن الاتحاد حيث يزداد تعاطفها مع الأراء القومية وردا على ذلك يقوم العديد من السياسيين بمداهنة أوروبا وفي الوقت نفسه يركزون على الحلول القومية المجردة .إن هذا الموقف المتعارض –والذي ينطوي على السخرية في كثير من الاحيان- قد وضع أوروبا في توازن غير سعيد فهي لا تستطيع الرجوع للخلف ولا التقدم للأمام وهذا لا يرضي أحدا.
يأمل المرء بعد أن بدأت النقاشات الحادة المتعلقة بعضوية الاتحاد الأوروبي أن تكون تلك النقاشات صريحة بما يكفي لإن يتعلم الجميع منها . إن الفوائد الاقتصادية لعضوية الاتحاد الأوروبي هي موضوع للنقاش الجاد.
يصف الاقتصاديون التكامل الإقليمي بانه مقايضة بين اقتصادات الحجم وتنوع التفضيلات فمن خلال الانضمام تكتسب البلدان الفعالية والنفوذ على حساب القبول بسياسات لا تتوافق بالضبط مع خياراتها فعلى سبيل المثال تتمكن الشركات من الوصول لسوق أكبر ويستفيد المستهلكون من أسعار أقل ولكن الانظمة والأحكام تكون أقل تناغما مع رغباتهم . إن ذلك يشبه مشاركة شقة سكنية ما مع آخرين فانت تخفض نفقاتك ولكن يتوجب عليك في الوقت نفسه التأقلم مع عادات زملائك في السكن.
إن التفضيلات في أوروبا اليوم هي أقل تباينا بكثير من ما كانت عليه قبل عقود قليلة فرئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران كانوا أكثر تباينا بكثير من الناحية الإيدولوجية مقارنة بمن خلفهم في الحكم. صحيح أن البريطانيين ما زالوا أكثر ميلا للأسواق الحرة مقارنة بالفرنسيين لكن الفجوة بينهم قد أصبحت أضيق بكثير مما يعني أنه ليس هناك أساس واقعي لمن يدعون باننا اصبحنا زملاء بالسكن أكثر تعاسة منذ الثمانينيات.
كما إن الاتحاد الأوروبي لم يغامر في مجالات لا يقدم فيها أية قيمة إضافية فلقد أطلقت حكومة كاميرون الأولى مراجعة لاختصاصات الاتحاد الأوروبي سنة 2012 لتحديد ما هي الاختصاصات التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي مقارنة باختصاصات المملكة المتحدة وبعد مشاورات عامة شاملة و32 تقريرا دقيقا للغاية لم ينتج عن المراجعة أي طلب من أجل أي إستعادة جوهرية للاختصاصات.
ربما لهذا السبب فإن مناصري الخروج من الاتحاد الأوروبي عادة ما يركزون على الفوائد المتناقصة للتكامل الأوروبي ويدعون بان بريطانيا ستكون أفضل حالا بكثير لو لعبت أوراقها لوحدها فلماذا نتفاوض مع الشركاء في القارة بينما تستطيع المملكة المتحدة التجارة مع العالم باكمله ؟ أليست الاقتصادات الصغيرة والمفتوحة مزدهرة كما هو الحال في سنغافورة ؟
ان هناك اعتراضات جدية على هذا الطرح .أولا ، التجارة الحرة تكفي من أجل بيع القمصان ولكن التجارة في الخدمات تحتاج لتشريعات ومؤسسات مفصلة ( مثل السلطات المرتبطة بقطاع ما) من أجل تطبيقها ومن دون جهاز تنظيمي شامل فإنه لا يمكن التجارة بالخدمات المالية أو تلك المتعلقة بالرعاية الصحية وغيرها.
إذن فإن المفهوم بإن كل ما نحتاج اليه فقط هو إزالة الرسوم الجمركية والبيروقراطية والروتين هو محض خيال فالمملكة المتحدة القوية من حيث الخدمات تحتاج للاطار المؤسساتي للسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي أكثر بكثير من دول أخرى مثل بولندا والتي تعتبر أقوى في البضائع.
ثانيا، إن الإطار التجاري العالمي نفسه يعاني من مشاكل خطيرة. لقد تم اكمال جولة الأوروجواي وهي آخر اتفاقية عالمية للتجارة سنة 1994. ان خليفتها المفترضة "جولة الدوحة للتنمية" لم يتم اكمالها بعد ومن الممكن أن لا يتم اكمالها مطلقا. إن التجارة العالمية تعتمد بشكل متزايد على الترتيبات الثنائية أو الإقليمية وطبقا لمنظمة التجارة العالمية هناك 267 من تلك الاتفاقيات ما تزال سارية المفعول بما في ذلك 49 تتضمن الاتحاد الأوروبي وبعكس التصور الشعبي فإن العولمة لم تقم بجعل الترتيبات الإقليمية غير ذات صلة بل على العكس من ذلك أعتمدت العولمة إلى حد كبير عليها.
إن العولمة في واقع الأمر تعاني من ضعف متزايد ولقد دعمتها القيادة الأميركية في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية ولكن الولايات المتحدة الأميركية لم تعد ترى نفسها كوصية على الأحكام متعددة الأطراف. إن جهود الولايات المتحدة الأميركية لخلق مناطق منطقتين ضخمتين للتجارة الحرة -الشراكة عبر المحيط الهادئ والشراكة التجارية والاستثمارية عبر المحيط الأطلسي وكلتاهما لا تتضمن الصين – هي إشارة على الأولويات الأميركية واللاعبون الكبار الآخرون من الصين إلى منتجي البضائع لا يشعرون بالخجل من استخدام قوتهم الاقتصادية.
على الرغم من ضعف الاتحاد الأوروبي فهو ما يزال لاعبا اقتصاديا كبيرا يشارك في تشكيل العالم حوله فهو يضع المقاييس ويفاوض ويطبق الأحكام مما يعني أن لديه نفوذا أكبر من ما يقر به معارضوه ونظرا لأن الاتحاد الأوروبي نفسه مبني على الأحكام فهو البطل الأقوى للترابط الإقتصادي المبني على أساس الأحكام ولتلك الأسباب وحدها فإن التخلص منه سيكون مقامرة خطيرة.
لو لم تدعم الحجج المنطقية ترك الاتحاد الأوروبي فلماذا إذن تمت إثارة مثل هذا السؤال ؟ ان الجواب إلى حد ما يعود لحقيقة أن الاتحاد الأوروبي قد خيب الآمال ولكن هذا سبب يدعونا لإصلاحه وليس تركه كما ان الديمقراطية الانتقالية لم تؤد المطلوب منها ولكن الجواب ليس في التخلي عنها بل بجعلها تنجح. ان اللاصق العاطفي الذي يجمع أوروبا معا قد أصابه الجفاف ولكن هذا يدعونا للتغيير وليس الانقياد لضيق الأفق.

*استاذ في كلية هيرتي للحوكمة في برلين.
خاص بـ "الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكت.

التعليق