النُسخ المُتعدّدة من الإسلام: من التعايش إلى الاحتراب

تم نشره في الجمعة 18 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً

معاذ بني عامر

(1)
يعتقد المسلم أن النسخة التي وصلته من الإسلام هي النسخة الأنقى والأطهر والأقرب إلى الله أيضاً؛ لذا ثمة سعي دؤوب من قبل هذا المسلم المُتحمِّس إلى: 1- الحيلولة دون "مسّ" هذه النسخة خشيةً عليها من نجاسات النُسخ الأخرى؛ و2- العمل على "لمس" النُسخ الأخرى، لمباركتها والعمل على تطهيرها من الرجاسات التي طالتها، بفعل الرؤية السلبية والمجتزأة للإسلام.
ما بين "المسّ" المُدنّس و"اللمس" المقدّس، تحطمّت أرواح المسلمين دينياً، وفنيت الأجساد دنيوياً.
(2)
جمعياً، ثمّة إقرار بنُسخ مُتعدّدة من الإسلام، كانت جذورها قد انغرست قديماً في أعماق الوعي المعرفي الإسلامي. لكن ما بقي منها لغاية هذه اللحظة، افتُرض أنها النسخ الأصح ليس تاريخياً فحسب، وإنما لاهوتياً أيضاً، بما يمنحها صحةً إلهية فوقَ صحتها الزمانية.
فردياً، ثمة نُسخ من الإسلام بعدد المسلمين، تفترض ضمناً -كل نسخة على حدة- أنها الأكثر تمثّلاً لإرادة الله على الأرض.
عند حدّ معيّن، يختلط الجمعي بالفردي فيما تعلّق بالظاهرة الدينية في العالم الإسلامي، لذا ثمة نزاع متوارٍ وعلني سواء بسواء، على تثبيت النُسخة الأقدس، تبعاً لقوة الجماعة أو الشخص الذي يتمثّل هذه النسخة المقدسة!
(3)
تاريخياً، تحوّلت التجربة الدينية الإسلامية من تجربة ثراء روحاني، تؤكّد قيمة التعايش السلمي بين أتباع الدين الواحد، إلى تجربة احترابية أحالت دار المسلمين إلى دار حرب دائمة. فذاك الهاجس الإنساني العميق حول الغيب وشفراته الوجودية، كان قد انبثق عبر دين جديد ألا وهو الإسلام. ومع ما احتمله الإسلام من إجابات مُريحة لإنسان تلك الحقبة التاريخية، حول العالَم والذات وما يحيط بهما من مجاهيل وغيبيات، فقد تحوّل من حالة التعبير عن هكذا هواجس غائرة في أعماق النفس الإنسانية، والحالة الروحانية التي يمكن أن تنطوي عليها التجربة الدينية إذ تتموضع في دين بعينه، وتضع الإنسان وأشواقه الميتافيزيقية موضع تطامن واحترام؛ إلى حالة التعبير عن هواجس انتقامية لكلّ شخص مغاير لا يمتثل لرؤى الذات للدين الجديد. وقد رأينا في بواكير الإسلام مذابح عظيمة راح ضحيتها كثير من المسلمين، وعلى أيدي المسلمين تحديداً؛ مذبحة الجمل ومعركة صفيّن، وإطاحة بني العبّاس ببني أمية ودولتهم ونبش قبورهم والتمثيل بجثث موتاهم، ومقتل عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والحسين بن علي... إلخ.
آنياً، بقيت التجربة الدينية الإسلامية -إلى حدّ كبير- على ما كانت عليه تاريخياً، إذ انتقلت ثقافة "الطُهر/ العُهر"/ "القداسة/ الدناسة" من الآباء التاريخيين إلى الأبناء الحاليين. وإذا كان لنا الآن أن نُعاين قداسةً للنُسخة السُنّية من الإسلام كما يتمثّلها أهل السُنّة، مع الحفاظ عليها من أي مسّ مدنّس يمكن أن يطالها من النسخة الشيعية، فثمة حرص من أهل السنّة -عبر نقودات دائمة ومتنامية- على "لمس" النسخة الشيعية لغاية تطهيرها من أرجاسها ونقلها من طور الدناسة الشيعية إلى طور القداسة السنية. فإننا نُعاين -بالمثل- قداسةً للنُسخة الشيعية من الإسلام كما يتمثّلها الشيعة، مع الحرص عليها من أي مسّ سُنّي لكي لا تتلوّث وتتوسّخ، وفي الوقت ذاته الحرص على لمس النسخة السُنّية، لغاية تطهيرها من أرجاسها وحمولاتها المدنسة.
إذا كان لنا أن نعاين ذلك، داخل نسختين كبيرتين من الإسلام، فإننا يمكن أن نعاين هذا التشظّي السلبي داخل النسخة السنية أو الشيعية كُلّ على حدة: إسماعيليون/ إثنا عشريون/ صوفيون/ يسار إسلامي/ حزب الله/ مجاهدي خلق/ تنظيم القاعدة/ حركة طالبان/ جبهة النصرة/ قُم/ الأزهر/ مرجعيات النجف/ دوائر الإفتاء في العالَم الإسلامي/ داعش/ حركة أمل/ الإخوان المسلمون... إلخ.
بإزاء هذه المعاينة، تحوّلت التجربة الدينية -في العالَم الإسلامي- على المستوى الجمعي إلى تجربة "احترابية"، فمن المعارك الإعلامية التي تسعى إلى تصفية أتباع الجماعات الأخرى، والتشنيع عليهم وعلى منظوماتهم المعرفية، لاسيما تلك المُتعالقة مع النص الديني؛ ومن الكتب المليئة بالتحريضات الطائفية إلى الجُدُر السيكولوجية والاجتماعية بين أتباع الطوائف الإسلامية المختلفة؛ ومن تفجير المساجد والحسينيات، إلى عمليات الإبادة التي تجري في أكثر من مكان في العالَم العربي والإسلامي.
على المستوى الفردي، تحوّلت التجربة الدينية في العالم الإسلامي إلى تجربة "إكراهية"، لا معنى فيها لفردانية الإنسان واشتباكه وتشابكه في علاقة توتّر حيوي مع السؤال الديني، والبحث عن إجابات من شأنها خلق تواشج روحاني حميم بينه وبين العالَم الميتافيزيقي. بل سعى الناس إلى مراقبة بعضهم البعض ليتأكّدوا من أن الآخرين لا ينقضون عهدهم اللاهوتي كما رسخ في أذهانهم، لأن أي نقض يستوجب مبادرة من شأنها إكراه الناقض على العودة إلى دائرة العقد الديني كما هو، لا كما يبتغيه الفرد. ولربما عايّنا إكراهاً آخر هَهُنا، يتجاوز حدود الناس العاديين، إلى ما هو غائر في النفس الجمعية، فالتديّن الفاعل الآن في العالَم الإسلامي هو تديّن جمعي أولاً وأخيراً، لذا نرى ثمة إكراه لاتبّاع تعاليم الجماعة من قبل الأفراد، تحت وطأة العقاب الشديد. ولقد برعت دوائر الإفتاء وآيات الله والشيوخ والمرجعيات... إلخ، في تعميق هذا الإكراه، وحوّلته إلى عنكبوت كبير لا يفتأ ينسج خيوطه لاصطياد كل من لا يسير وفقاً لشبكته التديِّنية المعقّدة.
(4)
يُفترض بالسؤال الديني أن يكون مقدّمة لملء الفراغ الروحي عندَ الإنسان، أياً كان الدين الذي يتموضع فيه الإنسان لاهوتياً، بما يخلق نوعاً من الطمأنينة بين الناس، ويجعل جزءاً من تفكيرهم يذهب بعيداً إلى ما وراء الحدود الزمكانية التي يمتثلون إليها في منظومتهم المعيشية. لكن أن يتحوّل السؤال الديني إلى مقصّ ليس له من مهمة إلا قصّ قماشة الناس الروحية، وتفصيلها وفقاً لمصالح بعينها، لا علاقة لها بأي مدّ إلهي، فذاك إيذان بانتقال التجربة الدينية من طور الاطمئنان الروحي إلى طور الاحتراب الجسدي، والدخول في نفقٍ مظلم، لن يتمّ الخروج منه إلا عبر تضافر جهود كبيرة وعديدة، لا همّ لها -أولاً وأخيراً- إلا تعزيز مكانة الإنسان في هذا العالَم، ونقله من طور التابع والمفعول به دينياً، إلى طور الفاعل الروحي، وتركه ليجترح علاقته التواصلية مع الله، أياً كانت مواضعاتها، بعيداً عن إكراهات و/ أو استلابات علاقات الآخرين بالله.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نظرة استشرافية (أبو طارق)

    الجمعة 18 آذار / مارس 2016.
    في العصور الذهبية للاسلام، كان هنالك اربعة مذاهب فقهية على الأقل تؤمن وتشترك في الأساسيات (المحكمات والقطعيات و"ام الكتاب") وتتنافس معرفياً وسلمياً في التوصل الى المعرفة الاخلاقية الموضوعية دون تعصب أو انفلات، وديدنهم هو رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. السؤال الاستراتيجي هو لماذا فشلنا حيثما نجحوا؟ اسألوا العلمانيين!