"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون"

تم نشره في الجمعة 18 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً

د. محمد خازر المجالي

يمتاز منهج القرآن بالجدية والوضوح في تأسيسه أو تأكيده للأحكام والقواعد والتوجيهات؛ فهي لا تأتي فجأة، بل يربطها بسياقها القرآني أو بالقيم والمبادئ السامية. ومن هذه الأمور، حقيقة الأمر باتباع الشرع وعدم التحايل عليه وتجاوزه، فهو الخير كل الخير.
العنوان آية من سورة الجاثية. وقد ورد لفظ "الجاثية" في قوله تعالى: "وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (الجاثية، الآية 28)، وهو موقف رهيب حين يجثو كل واحد على ركبتيه بانتظار الحساب، وكل أمة تُدعى إلى كتابها فهو رسالتها. وهنا تأخذنا الدهشة في أقوام رضوا لأنفسهم ترك شريعتهم وما دعاهم إليه رسلهم، فاتبعوا أهواءهم وأصنامهم، لتجزى كل أمة على ما كانت تعمل.
مواقف عظيمة هي التي تبينها السورة الكريمة، وأفكارها مترابطة كلها. ووسط السورة، هذه الآية الآمرة للرسول صلى الله عليه وسلم باتباع الشريعة، وأن لا يتبع أهواء الذين لا يعلمون؛ حقيقة نرد بها على الذين يريدون إلغاء الدين وتحجيمه أو تقزيمه، ليكون دينا فرديا في علاقة الفرد بربه، وعزله عن الحياة.
تبدأ السورة بالحديث عن بعض آثار قدرة الله ونعمه على عباده. ويجلي ربنا سبحانه خلال هذه الآيات حقيقة مفادها: "تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ" (الجاثية، الآية 6). فالقرآن حق، ورسالة الله حق، فما الذي يقدمه بعض الناس في إيمانهم على هذا الحق؟ فهو أوْلى بالاتباع.
وتستمر الآيات في الإنكار على المعرضين، فيقول تعالى: "وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ" (الجاثية، الآيات 7-9)، ويقول سبحانه: "هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ" (الجاثية، الآية 11). فحق الآيات أن تُتّبع وينقاد الإنسان لها، فهي من الله وهي حق، ولكن بعض الناس قابلها بالإعراض والتكبر والاستهزاء. ولهؤلاء عذاب من جنس عملهم، فهو عذاب مهين لقوم تكبروا وتجبروا واستهزأوا.
وينتقل السياق للحديث عن بني إسرائيل، فقد آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة، ورزقهم وفضلهم على عالم زمانهم، وآتاهم الله بينات من الأمر، شريعة واضحة. ولكنهم اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم. فالبغي عنصر مهم لهذا التفرق والاختلاف، وسيقضي الله بينهم يوم القيامة. هنا يأتي قول الله تعالى: "ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ" (الجاثية، الآيتان 18 و19)؛ وكأنها تحذر النبي صلى الله عليه وسلم وأمته من التردد والتنكب لشريعة الله تعالى التي أنزلها على محمد. فبنو إسرائيل ضلوا بعد اختلافهم، ورسالتهم في الأصل خاصة لهم. وبعد مدة من الزمن، أوحى الله شريعته على خاتم المرسلين. والمطلوب، بوضوح، هو الاتباع لها، وعدم اتباع أهواء الذين لا يعلمون حقيقة هذا الدين وهذه الشريعة، وغالبهم من أهل الأهواء، وهم لن يغنوا عنك يا محمد شيئا، والظالمون أولياء لبعضهم في وقوفهم في وجه الحق، ويكفي أهل الحق أن الله وليهم، فنعم المولى ونعم النصير. وما أجمل الآية بعدها: "هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ" (الجاثية، الآية 20).
وليست صدفة أن يأتي التوجيه للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته باتباع شريعة الله (الإسلام) بعد الحديث عن بني إسرائيل وضلالهم؛ إذ غالب التشويش والتلبيس والتشكيك والشبهات هي من قِبلهم، وهي حقيقة نعيشها، إذ معظم الذين ينادون بإقصاء الشريعة هم من تلامذة الغربيين من مستشرقين وسواهم يريدون قياس الإسلام على الديانات الأخرى التي ثار الناس عليها فأنتجت العلمانية والإلحاد، ويريدون الشيء نفسه في هذا الإقصاء لديننا، ونسي هؤلاء أو تناسوا أن الإسلام دين الهداية الشاملة للناس أجمعين، وهو دين العلم والحرية قبل أن ينطق هؤلاء المتحررون بالحقوق والحرية والعلم.
وتحدثت السورة أيضا عن هوى الإنسان، وأنه بتعظيمه له واتباعه إياه فهو إلهه: "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً..." (الجاثية، الآية 23). وهذا تحذير في مقابل ما ينبغي أن نكون عليه من اتباع الشريعة؛ فالبديل هو هذه الأهواء التي تُتخذ آلهة من دون الله. ومن أصر على هذا فمصيره الهلاك بعينه، ولا بد من أن نحذر. والعجيب أن مثل هؤلاء يقودهم طغيانهم واتباعهم لأهوائهم أن ينكروا الآخرة والحساب والوقوف بل الجثي أمام الله تعالى، واسم "الجاثية" مناسب جدا للسياق؛ حيث التكبر والاستهزاء واتباع الأهواء. وهناك الصغار والخوف والهلع من هول الموقف، كل ينتظر فصل الحساب، ويخبرنا ربنا سبحانه أن كتب أعمالنا ستنطق بما فيها، ومن ثم المصير العادل.
إن السورة فيصل في علاقتنا بهذا الدين؛ أهو الاتباع الصحيح على هدى وبصيرة، أم تبعيض هذا الدين وتشتيت مفاهيمه. ولا بد لنا في هذا الزمن من إعمال العقل والفكر جيدا في أحوالنا، وتذكر تاريخ أمتنا؛ فما كان الدين يوما وسيلة تخلف، بل هو العامل الأقوى في توحيد الناس والرقي بهم. وينطلق بعض الناس من فكرة أن الدين سبب في الحروب والدماء، وسبب في التخلف والجمود والكراهية، ويخلط بين المفهوم الحقيقي للدين وبين بعض التطبيقات السلبية، فيما ينبغي الفصل بين الدين بمبادئه وأحكامه، وبين تصرفات البشر ولو كانوا أتباع الدين. والحقيقة أن الدماء والكراهية والحروب قائمة في غالبها على المصالح والاستعباد وصراع الأمم، فلتكن نظرتنا منصفة، ولنمعن في توجيه الله: "ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا".

التعليق