حين يكون "الروث" من "الجواهر": مأزق المعرفة وسياقات التلقّي

تم نشره في الجمعة 18 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً

د. نارت قاخون

الحكاية الأولى:
ذهبت مجموعة من المختصين بـ"تنظيم الأسرة" إلى قرية من القرى لإلقاء محاضرة عن "الوسائل الطبيعيّة" للتباعد بين الأحمال اعتماداً على فكرة "تجنّب أوقات الإباضة" في العلاقات الزوجيّة.
غادر المختصّون القرية بعد المحاضرة فرحين بإنجازهم؛ فقد قدّموا لأهل القرية طريقة ستؤدّي إلى خفض نسب المواليد، وتوفير الظروف المناسبة لرعاية الأطفال.
عاد الفريق إلى القرية نفسها لمعرفة نتائج محاضرتهم، فكانت النتيجة أنّ نسب المواليد زادت ذلك العام زيادة ملحوظة! لأنّ أهل القرية وظّفوا "المعرفة" التي قدّمها "المختصّون" لمقاصدهم هم لا مقاصد مَن قدّمها لهم، وعوض "اجتناب العلاقة الزوجيّة" في "أوقات الإباضة"، تقصّد الأزواج هذه الأوقات لزيادة احتمال الحمل.
هذه الحكاية تعبّر عن أحد أهم المآزق والمشكلات في "جدليّة المعرفة والتلقّي"؛ فالمعرفة والمفاهيم التي يقدّمها العارفون بها أو منتجوها للآخرين من المتلقّين لا تكون محكومة بمقاصد "مقدِّمي المعرفة" بالضرورة، بل إنّ "مقاصد المتلقّين" تمارس أدوارها وآثارها، حتى يبلغ هذا الأثر الانقلاب على مقاصد مقدّمي المعرفة ونتائجها. ولعلّ القارئ الكريم يعلم قصة "ألفرد نوبل" واختراع "الديناميت"، فبين مقصد "نوبل" المتمثّل بجعل "الديناميت" قوّة تزيل العوائق أمام بحث الإنسان عن ثروات الأرض لأجل نماء مدنيّته وتطوّر حضارته، ومقصد "الجيوش والسلطات" التي تريد إزالة "عوائق العدوّ البشريّة" بإبادته وقتله، رُسم فصل من فصول "صراع المقاصد والمصالح" وتوظيف "المعارف والمكتشفات" العلميّة والإنسانيّة.
والقضية أوضح من أن تحتاج لإيراد الأمثلة التي لا يُمكن حصرها، ولكنّها مع وضوحها ما تزال مأزقاً إنسانيّاً معرفيّاً يتجدّد ويتنوّع ويتمدّد. فكثيراً ما يجد الباحثون أنفسهم مقابل حقائق معرفيّة، أو مفاهيم ثقافيّة وعلميّة يرون في نشرها وبثّها إلى "المتلقّين" فائدة وخيراً وفق منظورهم لمقاصد هذه المعرفة، ولكنّهم يقعون في مأزق "التوظيف المضادّ" لهذه المعرفة، وهو توظيف تتحمّله المعرفة التي ينشرونها.
هل يتوقّف الباحثون والمكتشفون عن أبحاثهم ونشرها خوف "التوظيف المضادّ"؟ أليست كلّ معرفة قابلة للتوظيف والتوظيف المضادّ؟
إنّ الخوف من "التوظيف المضادّ" وآثاره مشروع، ولكن لا ينبغي أن يتحوّل إلى عائق يُعيق التقدّم الإنسانيّ وإصلاح الأخطاء والخلل. ولكن لا ينبغي إهماله وتجاهله أيضاً، ولاسيما في سياقات تجعل أصحاب المقاصد المضادّة في وضع قوّة وقدرة على فرض مقصدهم وغايتهم، فليس من الحكمة والانتماء أن تفشي للمتربّصين بك وببنائك الوجوديّ والحضاريّ "سرّ سنمار" ليهدم "الأعداء" البيت على رأسك ورؤوس من معك. ولكن عليك في الوقت نفسه إن اكتشفت هذا "الخلل الكبير الخطير" في بنائك أن لا تعالجه بالإهمال والإخفاء، بل بالعمل على إصلاحه بكلّ الوسائل الممكنة حتى تحقّق الخلاصَين؛ الخلاص الجماعيّ بأن لا يُهدم البيت الذي تسكنه وتقيم فيه أنت وأمّتك، والخلاص الفرديّ بأن لا تلقى "جزاء سنمار"، لأنّ كثيراً من جماعتك أو بعضهم سيفضِّل "موتك" أو "إقصاءك" لأنّك تكشف "الثغرة أو الثغرات" الخطيرة في البيت الذي يؤويهم ويحقّق لهم وجودهم ومصالحهم. هذا إن كنتَ تريد بقاء "البيت" ابتداءً وانتهاءً، ولكن إن كانت غايتك هدم البيت وليكنْ ما يكون فلن يُستغرب أن تكشف عن هذا "الحجر" وتزيحه بيدك لا بيد عمرو!
الحكاية الثانية:
عُيّن خريج جامعة مشهورة بالدراسات الدينيّة إماماً في قرية من القرى، وكان في القريّة قليل من المتعلّمين يتزعّمهم شخص أكثر ثقافة منهم، وكان هذا "المثّقف" ينتقص من تلك "الجامعة المشهورة" وما يعلّمونه لطلبتها، وهو في جزء من انتقاده مصيب. لكنّ هذا "المثقّف" كان "متطرّفاً" في موقفه تطرّفاً يدفعه للكذب والاحتيال وعدم الإنصاف، فجمع أهل القرية "البسطاء" يوماً وقال لهم: هذا "الإمام" الذي جاءكم، هو خريج "جامعة" تعلم طلبتها الفظائع من الجهالات والحماقات! تخيّلوا أنّهم يعلّمون الطلبة أنّ "الروث" -أي فضلات المواشي- هي من "الجواهر"!
استهجن أهل القرية ذلك واستقبحوه؛ لأنّ "الجواهر" عندهم هي "الذهب" و"الفضة" و"اللؤلؤ"، فكيف يقول هذا الإمام إنّ "الروث" من "الجواهر؟! لا يقول ذلك إلا "مجنون".
دفعاً للشك، وتأكيداً لقوله قال هذا "المثقّف": أنا سأثبت لكم أنّ هذا "الإمام" يقول ذلك، وستسمعونه بأنفسكم يوم الجمعة المقبل!
حين أنهى "الإمام" صلاة الجمعة، سأله "المثقّف": يا شيخ، هل درست "علم الكلام والمنطق والفلسفة" في الجامعة؟
فقال "الإمام" بثقة: نعم. فسأله "المثقّف": إذن أجبني، هل "الروث" من "الجواهر" أم من "الأعراض"؟ فأجاب "الإمام" بثقة مرّة أخرى: "الروث" من "الجواهر". فقال "المثقّف": ارفع صوتك لو سمحت، لم أسمع جيّداً. فرفع "الإمام" صوته قائلاً: نعم، "الروث" من "الجواهر".
سمعه أهل القرية ممن كانوا في المسجد فما كان من بعضهم إلا أن همّ بضرب "الإمام"، وخرج آخرون يسخرون قائلين: قبّحك الله وقبّح "جامعتك" و"العلم" الذي علّمتك إيّاه!
ويعلم مَن كان له اطّلاع بعلم الكلام والفلسفة أنّ "الإمام" كان ضحيّة "مقلب" و"حيلة خبيثة" من المثقّف؛ فـ"الجواهر والأعراض" مفاهيم فلسفيّة وكلاميّة تعني فيما تعنيه للتبسيط والتسهيل أنّ كلّ شيء له "وجود ماديّ" هو من "الجواهر لا الأعراض"، وعليه فإنّ "الروث" بهذا المعنى هو من "الجواهر". ولكنّ هذا المعنى لا يعرفه أهل القرية، وما يعرفونه من معنى "الجواهر" لا يُمكن أن يكون "الروث" منه.
لا شك أنّ هذا "المثقّف" محتال مخادع. ولكن هذا "الشيخ" مغفّل بصورة أو بأخرى، أو يفتقد "الحكمة" والإحساس بأنّ لكلّ مقام مقال، ولا يتمتّع بالحدس اللازم ليكتشف "الخداع والاحتيال". ولا يسوّغ ما فعله إتقان "المثقّف" لحيلته؛ فقد بدأ بسؤاله عن "علم الكلام والفلسفة" ليوجّه إجابة "الإمام" لما يُريد.
قد لا تكون هذه القصة قد وقعت فعلاً، ولكن أشباهها وأمثالها وقع ويقع كثيراً ولاسيما في "عصرنا"؛ فكثير ممن يتصدّرون مشهد "الخطابات الدّينيّة" لا يُدركون اختلاف "مرجعيّات المتلقّين" للمفاهيم والمعارف المختلفة، فربّ مفهوم في سياق ما يكون صواباً وحكمة، ولكنه في سياق آخر يكون "كارثة" حين لا يُدرك من يستعمله ويتكلّم به هذه الاختلافات السياقيّة.
هذه قضية أخرى تنتمي لمآزق المعرفة والمتلقّين؛ فالمعارف والعلوم ليست مفاهيم منفصلة عن إيحاءاتها وظلالها المختلفة عند المتلقّين باختلاف خبرتهم وثقافتهم ومرجعيّاتهم الدلاليّة، ومراعاة "المقامات التداوليّة" من الحكمة المعرفيّة والإنسانيّة.
ولكن مراعاة هذه الحكمة أصبحت أصعب بكثير في زماننا نتيجة الانفجار في وسائل الاتّصال والتواصل، فقد يتحدّث أحدنا في محاضرة لها سياق وفئة من المتلقّين تمكّنه من الحديث حديثاً متّسقاً معهم، ولكن تجد هذه المحاضرة أصبحت جزءاً من "الميديا التواصليّة"، فتصير متاحة لكلّ متلقٍّ، فيأتي من لا تتحقّق فيه شروط الاتّساق فيسمعها فيجد كلاماً عجباً وفق مفاهيمه ومرجعيّاته، كما يُمكن أن يوظِّفها مخالفوك ليقولوا للنّاس: انظروا ماذا يقول فلان!
لم يعد للمقامات والسياقات التداوليّة المختلفة هذه الحدود الحاسمة في زمن "الفيضان التواصليّ"، فهل يُصبح من الضروريّ أن لا يتكلّم أحدنا بكلام قد يختلف المتلقّون في فهمه ووعيه؟ وهل هذا النوع من الكلام ممكن أصلاً؟ هل يمكن في زماننا أن نقول: هذا لـ"الخاصة"، وهذا لـ"العامة"؟
أظنّ أنّ المبالغة في الحرص على مراعاة السياقات في زمن كزمننا تنتهي بأن يُصبح "الصمت" الخيار الوحيد! وهذه نهاية أسوأ ممّا يُمكن أن يُحذَر منه إذا تكلّم أحدنا بما يرى ويعتقد ويظنّ في مجالات المعرفة والوجود الإنسانيّ.
إذن ما الحلول الممكنة مقابل أمثال هذه "المآزق" الناتجة عن "مقاصد المتلقّين" و"أدوارهم وسياقاتهم" المختلفة والمتضادّة أيضاً؟
لا أرى حلاً ممكناً من وجهة نظري إلا أن يقول أحدنا وينشر ما يظنّه خيراً ونفعاً وصواباً محاولاً قدر الإمكان أن يقلّل فرص إساءة فهمه، أو إساءة توظيف كلامه. وتقليل هذه "الفرص" يحتاج "حكمة" من طور جديد تفرضها "السيولة الاتصاليّة والتواصليّة"، ويؤسّسها وعي حقيقيّ بـ"صراع المقاصد والأهداف" في زمن تعدّت التهديدات والتحدّيات أدوارنا إلى وجودنا.

التعليق