محمد برهومة

قلعُ الشّوك أو زيادة المرض

تم نشره في الجمعة 18 آذار / مارس 2016. 12:05 صباحاً

أصعبُ ما قد يثيره المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية دونالد ترامب، هو تهديده "القيم المشتركة" الأميركية. ترامب يغرد خارج "المؤسسة"، والمصوّتون له يمنحونه التأييد احتجاجاً وغضباً على "المؤسسة الحزبية" التي بنت حواجز وطبقات همّشتهم. ولذا، يزعم ترامب أن "الغضب في البلاد ليس ضده". وكون ترامب مليارديرا يعني استغناءه عن "اللوبيات" والتقاليد المؤسسية الدارجة. وهو إذ يعلن لليهود الأميركيين صراحةً أنه ليس بحاجة إلى أموالهم، وإذ يدعو إلى التمييز الديني وعدم السماح للمسلمين بدخول أميركا لأنّ "المسلمين يكرهوننا"، وهو إذ يقتبس من موسوليني ويهاجم المكسيك و"بابا الفاتيكان" وجون ماكين، ويعتبر تحالفات أميركا عبئاً عليها... إنما يُطلق النيران في كل الأنحاء. إنّه "محظوظ" بكل هذا التسامح من ناخبين ديمقراطيين وجمهوريين ومستقلين لا يبخلون حتى الآن بالتصويت له ومنحه أملاً محتملاً في أن يكون في كانون الثاني (يناير) المقبل الرئيس الـ45 لأكبر دولة في العالم.
إنّ المشترك بين "قِيَم" المتطرفين يكمن في أنهم "قليلو الاهتمام" بكرامة البشر، وميّالون لـ"شيطنة الآخر". ومع أن شعار ترامب "لنُعِدْ أميركا عظيمة"، فإنه يتناسى أن هذه الدولة قامت عظمتها على "الاهتمام"، فيما تَوَجُّهُ ترامب يرتكز على أنه "لن يهتمّ" أو الإيحاء بأنّ بإمكانه ذلك، وبأنّ القيم النبيلة لا يجوز أن تكون قيداً.
ترامب، وهو يجنح إلى التذكير أمام جمهوره بأنّ لديه حلولاً "بسيطة" لأزمات أميركا "المعقدة" في الداخل ومع الآخرين، إنما يضرُّ بفكرة أنّ قوة أميركا لا تقوم على القوة العسكرية الجبارة فقط، ولا على الاكتفاء بالذات والنرجسية والتفوق، وإنما فرادة النموذج الأميركي في قوته الناعمة الهائلة التي تفيض على الآخرين خارج أميركا، والتي -برغم الانتقادات- لا تضاهيها بهذه القوة الناعمة أي دولة في التاريخ.
اليوم، بسبب ظاهرة ترامب وحملته الانتخابية، تشهد أميركا عنفاً سياسياً بين مؤيدي ترامب ومعارضيه لم تشهده منذ أكثر من نصف قرن. لكن لا يلغي كون ترامب من خارج المؤسسة، أن أميركا دولة مؤسسات ولا يتحكم بها شخص واحد حتى لو كان الرئيس، وهي قد تختار امرأة مثل هيلاري كلينتون التي ما تزال حظوظها بالفوز كبيرة. أمّا إذا لم يقطع الحزب الجمهوري الطريق أمام ترامب (وهو ما حذّر منه)، واختير رئيساً من قبل الناخبين، وبقي المرشح ترامب هو ذاته الرئيس ترامب، أي أقلّ اكتراثاً بقيمة المسلمين وأكثر فجاجة تجاه خصومه والملفات المتشابكة، فإن هذا سيُفقد أميركا جزءاً من قوتها في إعطاء الدروس وتقديم المُثُل والنماذج التقدمية. وفي هذا خسارة للعالم، ومنه المنطقة العربية، التي يُحال فيها التشدد الديني والفكري والتأخر السياسي في أحد أهم منابعه، إلى أنّ لديها (المنطقة) قابلية واستعداداً مُذهلين لهجاء الغرب والعالم واتّهامهما من دون ترامب، فكيف ستكون هذه القابلية بتنصيبه زعيماً لـ"العالم الحر"؟!
أميركا-أوباما نبّهتْ دُوَلَنا في لقاء كامب ديفيد في أيار (مايو) الماضي، أنّ "حُصوننا مُهدّدة من الداخل"، وأنّ علينا قلعَ شوكنا بأيدينا وإصلاح مجتمعاتنا بالعدل والحرية وإنتاج نماذج محلية تُدير الاختلافات والصراعات سلمياً، وعبر توسيع المشاركة وإزالة الخصومة بين الأمن والحرية. ومع ذلك يصعب، لدى مقاربة مسيرة التقدم والتأخر في العالم العربي، إغفال أننا مرضى الغرب الذي "جَرَحَ نرجسيتنا"، بلغة جورج طرابيشي. وترامب، على هيئته الحالية، لا يزيدنا إلا مَرَضاً، وأعراض ذلك تظهر، مثلاً، من خلال قول بعضهم: "دعُونا، عبر ترامب، نرى الغرب على حقيقته الكالحة"! فهو ليس أسوأ حالاً من مارين لوبان في فرنسا، أو فيكتور أوربان رئيس الوزراء الهنغاري. وثلاثتهم، ويا للمفارقة، لا يُخفون رغبتهم في تفهُّمِ فلاديمير بوتين... والاستعداد القوي للعمل أو حتى التحالف معه!

التعليق