خبراء: دور المعلم وإنسانيته يلزمانه في التبليغ عن عنف الأطفال

تم نشره في السبت 19 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً

منى أبو حمور

عمان- تكرار مشاهد العنف الذي يمارس بحق الأطفال والذي يذهب ضحيته أطفال لا حول لهم ولا قوة، يكشف النقاب عن صمت وتقصير من بعض الهيئات التدريسية التي أغفلت دورها الإنساني واكتفت بدور المتفرج بحجة الخوف من المشاكل.
“الغد” ومن خلال متابعتها للعديد من الجرائم التي ارتكبت بحق الأطفال من قبل ذويهم، ألقت الضوء على إغفال المدرسة لدورها التربوي والإنساني الذي يحتم عليها التبليغ عن أي نوع من أنواع العنف الذي قد يقع على الطالب حتى لو كان مجرد شك وفق العديد من الخبراء والمختصين.
وبدا هذا التقصير جليا مؤخرا بعد الجريمة البشعة التي قام بها أب بحرق ابنتيه على مدار عامين والتي نشرت تفاصيلها “الغد”؛ حيث كانت بيان ذات الـ14 عاما هي الضحية الأخيرة لوالدها التي قضت حرقا وفق ما نشرته الغد في العاشر من آذار (مارس) الحالي.
اطلاع المدرسة على وضع بيان ومعرفتهم بحجم العنف والإساءة التي تتعرض لها والاكتفاء بتبليغ أحد أفراد عائلة الأب، وفق ما نشره التقرير، كان أحد الأسباب التي أودت بحياة بيان.
معلمة بيان اكتفت برد عمتها بعدم السماح لها بالتدخل في الشؤون العائلية، على الرغم من تأكيدها أنها ضحية للإهمال والعنف، فضلا عن استغلالها في أعمال كالتسول والعمل في تنظيف المنازل، الى حين انقطاع بيان عن المدرسة مطلع العام الدراسي الحالي.
المشهد ذاته يتكرر في أحداث جريمة طبربور التي تابعت “الغد” مجريات أحداثها، وأكدت في التقرير الذي نشرته في تشرين الثاني (نوفمبر) 2014؛ حيث أبلغت إحدى الفتيات المعنفات في الأسرة حينها معلماتها في المدرسة بما يفعله والدها معها، بدون جدوى، إلى أن أبلغت المرشدة الاجتماعية في المدرسة التي قامت باستدعاء الأم وإعلامها بما كان يفعله الوالد بابنته.
وعلى الرغم من معرفة المعلمات والمرشدة الاجتماعية بالوضع كاملا، وفق تصريحات الفتاة، إلا أنها لم تبادر لتبليغ الجهات المعنية، وتحديدا إدارة حماية الأسرة، إنما اكتفت بتبليغ الأم للتعامل مع السلوك الشاذ للأب، الأمر الذي زاد الأمر تعقيدا وأودى بحياة أسرة كاملة.
ضعف التبليغ سبب بغياب الأرقام الحقيقية
وعلى الرغم من وجود المادة 8 من قانون الحماية من العنف الأسري الذي أقر العام 2008 وتفعيلها، والتي تفيد بأن “على أي من مقدمي الخدمات الطبية والاجتماعية والتعليمية من القطاعين العام والخاص، إبلاغ الجهات المختصة، حال علمه أو مشاهدته، آثار عنف، وإشعاره أنها ناجمة عن عنف أسري”، فقد حصد العام 2015 أرواح 5 أطفال قتلوا على أيدي آبائهم، جميعهم دون سن 15 عاما، وعاشوا معاناة العنف لأعوام قبل موتهم.
وبحسب تقرير حقوقي لمنظمة “إنقاذ الطفل” الدولية، صدر قبل نحو عامين، فإن “الأطفال في الأردن ما يزالون ضحايا للعنف”، معتبرا أن “المحرمات الاجتماعية والخوف من المجتمع عامل أساس في ضعف التبليغ عن حالات الإساءة”.
وفي تقرير سابق نشرته “الغد” حول ضعف التبليغ، أرجع مختصون غياب الأرقام الحقيقية، الى عدم الإبلاغ عن حالات العنف التي يشاهدونها أو يتعاملون معها بحق الطفل المعنف، سواء من قبل الأطباء أو المعلمين، أو المجتمع المحلي، وتحديدا الجيران، داعين في هذا السياق، الى ضرورة تعديل وتفعيل القوانين، بما يكفل إيقاع عقوبات صارمة بحق من يتستر على العنف.
حنان خالد (اسم مستعار) مرشدة اجتماعية في إحدى المدارس الحكومية، تلفت إلى الدور الكبير الذي تبذله المدرسة في متابعة الطلبة ومراقبة تصرفاتهم والاطمئنان على أحوالهم الأسرية والتي تنصب في صلب أولويات مهنتها. وتشير إلى أن تعصب العديد من أولياء الأمور والاحتكام إلى العادات والتقاليد والخوف على السمعة هو الذي يمنع العديد من الأقارب والجيران من التبليغ عن العنف الواقع في إحدى الأسر، كذلك الأمر في المدرسة.
وتلفت إلى أنها واجهت العديد من المشاكل مع أولياء الأمور بعد إبلاغهم بشكها بوقوع عنف على أبنائهم، الذين أجابوهم بعدم التدخل بالشؤون العائلية وهددوها في حال تم التبليغ بأنها ستجد أمرا لا ترغبه.
ينبغي على إدارة المدرسة التبليغ عن أي إساءة تقع على الطفل
من جهته، أكد رئيس قسم الإرشاد ومديرية لواء الجامعة الدكتور منصور اللوزي، أن المعلم على اتصال مباشر مع الطالب خلال ثماني ساعات يقضيها الطالب معه في الغرفة الصفية، وبالتالي هو أقدر شخص على ملاحظة أي من حالات العنف التي قد تكون واقعة على الطفل سواء من المنزل أو البيئة المحيطة به.
ويشير اللوزي إلى أنه وفي حال اكتشف المعلم ممارسة أي نوع من أنواع العنف على الطالب، فإن عليه في هذه الحالة أن يقوم بتبليغ المرشد الاجتماعي في المدرسة الذي يقوم بدوره بتبيلغ إدارة المدرسة بصورة سريعة بأن هناك إساءة واقعة على الطفل أو الطالب.
اللوزي يؤكد أن الوزارة قامت بدورها بتأهيل وتدريب المرشدين الاجتماعيين في المدرسة لمتابعة القضايا واكتشاف حالات العنف في المدرسة بأشكاله كافة من خلال دورات تدريبية تقدمها وزارة التربية والتعليم، مؤسسات إنقاذ الطفل، وUSAID.
وتعمل الوزارة الآن على مجموعة من الإجراءات تدين وتحاسب كل من يكون على علم مسبق بوقوع إساءة على الطفل ويتكتم عليها ولا يقوم بتبليغ الجهات المختصة من مدير المدرسة أو الفريق الإداري في حال وقوع العنف.
ويلفت اللوزي إلى العبء الكبير الذي يقع على المرشد التربوي لاكتظاظ المدارس بأعداد الطلبة الكثيرة، فضلا عن عدد البرامج الكبير الذي يطبقها والدورات التأهيلية التي يأخذها.
ويقول “وجود المرشد بالمدرسة ذو فاعلية كبيرة ويخفف كثيرا من المشاكل”، التي يتعرض لها الطالب أو يواجهها الأهل؛ حيث طبقت الوزارة ومنذ العام 2009 مبادرة “نحو بيئة مدرسية آمنة” تسعى من خلالها للحصول على بيئة مدرسية خالية من جميع أنواع العنف الواقع على الطالب من خارج البيئة المدرسية والجوانب التحصيلية وزيادة دافعية الطالب.
ويرافق تطبيق المبادرة إعداد خطة علاجية بعد تطبيق الاستبانة؛ حيث يتم ومن خلال لجنة المناصرة داخل المدرسة إعداد أنشطة وخطة علاجية لخفض العنف، وهو ما لمسته الوزارة على أرض الواقع.
حماية الأسرة غير معنية بمعرفة هوية من يقدم بلاغا عن إساءة
وبدوره، أكد الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام المقدم عامر السرطاوي، جاهزية دائرة حماية الأسرة لتلقي الشكاوى سواء من الشخص المعنف نفسه أو من ولي أمره أو حتى أحد الجيران والأقارب أو المدرسة وكل من يلحظ ممارسة أي نوع من أنواع العنف على الأطفال.
ويبين أن الدائرة غير معنية بمعرفة هوية الشخص الذي يقدم البلاغ أو معرفة صلته بالطفل المعنف؛ حيث تستقبل الملحوظة هاتفيا أو خطيا، مشيرا إلى أن من واجبهم أن يقوموا بالتأكد من هذه المعلومة والتعامل معها على وجه السرعة.
وقال “المعلومات التي تردنا سرية ولا يمكن الكشف عن هوية المبلغ مهما كانت الظروف”، متابعا أنهم وفي الأساس لا يطلبون معرفة هوية المبلغ، مشددا على ضرورة أن يكون هناك وعي كبير لدى المجتمع في حال ملاحظة أي نوع من أنواع العنف واقعة على الأطفال سواء كان ذلك من قبل المدرسة أو الجيران بالمسارعة في الإبلاغ.
ويؤكد السرطاوي أن المديرية تتعامل بسرية وتكتم مع الشكاوى؛ حيث يقوم فريق من حماية الأسرة ووزارة التنمية التي تعد شريكا أساسيا لهم إلى منزل الطفل المعنف أو مدرسته للتأكد من البلاغ واتخاذ الإجراءات اللازمة في حال تم التأكد من صحة ذلك.
ويلفت إلى التعاون الكبير بين مديرية حماية الأسرة والمدارس؛ حيث تم رصد العديد من الحالات التي يمارس عليها أنواع مختلفة من العنف من قبل المدرسة، لاسيما وأنهم على تماس أكثر مع الطلاب ويسمعون منهم مباشرة.
وينوه إلى أن تبليغ المعلم أو أعضاء الهيئة التدريسية والإدارية في المدرسة عن وقوع حالات عنف على الطلبة هو واجب إنساني وأخلاقي يحتم عليهم أن يكونوا واعين لأهميته حتى لا يتفاقم الوضع ويذهب الطفل ضحية لعنف مورس عليه ولم يبلغ عنه.
ويردف أن المعلم ولاحتكاكه بالطلب فترة جيدة من الوقت، فإنه الأقدر على ملاحظة أي تغيير عليه كالحزن أو الانطوائية تراجع تحصيله الأكاديمي وأن على المعلم حتى ولو لمجرد الشك مع وجود بعض الدلائل التي تدل على وقوع أي حالة من حالات العنف أن يقوم بالتليغ فورا.
العنف ينتج طفلا غير متوازن ومنحرفا اجتماعيا
الاستشاري النفسي والتربوي الدكتور موسى مطارنة، يؤكد أن ممارسة العنف على الأطفال والإساءة لهم يتسبب بانعكاسات نفسية سلبية جدا؛ حيث ينتج طفل غير متوازن، منحرف، وضحية، وفي كلتا الحالتين، يعدم أهمية وجوده ودوره الاجتماعي.
ويشدد مطارنة على ضرورة أن تنتبه الأسرة لطريقة تعاملها مع الطفل، وأن تعي أنه بحاجة إلى الحب، الأمان والحنان من الأسرة، وإذا فقد هذا الشيء من أسرته التي يعتبرها ملاذا له، لاسيما وأنها اللبنة الأساسية في بناء القيم والأخلاق، فإنه يفقد استقراره النفسي وتتسبب له في العديد من المشاكل.
وينوه إلى دور المؤسسات التربوية في التصدي للعنف والإساءة التي يتعرض لها الطفل بحكم اتصالها المباشر معهم، مؤكدا أن الأصل في هذه المؤسسة أن تتعامل معهم بطريقة تربوية وروح إنسانية ومهنية عالية تفرض عليهم دورا كبيرا.
يقول “المعلم حامل لرسالة تربوية وإنسانية ويعمل لهدف وهو مسؤول أمام الله”، وتقع على عاتقه مسؤولية حب هذا الجيل والحنو عليه واستيعابه لأنه الأقدر، وهي أدوات مهنية للمحافظة على الأطفال من الإساءة التي قد تقع عليهم من كل المحيطين بهم.
ويستهجن مطارنة خوف وتردد بعض المعلمين وإدارات المدارس التي تلوذ بالصمت عن التبليغ عن حالات العنف التي قد تمارس على طلابهم، متفقا مع السرطاوي بأن مديرية حماية الأسرة تتلقى البلاغ بدون الاهتمام بالهوية.
ويضيف “يجب أن يتم التبليغ بالصوت العالي والفم المليان”، مؤكدا ضرورة عدم السماح لكل ما من شأنه أن يهدر كرامة الإنسان وأن الأطفال هم نتاجات تربية وأعمال الأسرة والمدرسة من يتحملون مسؤولية تلك الأجيال التي يتم ضخها للمجتمع.
ويتابع “الإساءة للطفل بأشكالها كافة ستخلق طفلا منحرفا”، مناهضا أولئك الذين يقولون “أهالينا ضربونا وهينا ما شا الله علينا”، مؤكدا أن الضرب عملية قاتلة للكرامة تحول الأسرة من أمان إلى خراب اجتماعي، لذلك لابد من معرفة متطلبات الطفل وخصائصه النمائية، وهذا دور كل من الأسرة، المدرسة والإعلام.

التعليق