اليأس من عوامل الإرهاب

تم نشره في الجمعة 25 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً

د. محمد خازر المجالي

كنت أستمع لإحدى الإذاعات المحلية، والموضوع -فيما فهمت- يتحدث عن الإرهاب، وكيف ينخدع الشباب بدعاته ويلبون نداءهم ويلتحقون بهم. كانت امرأة تتحدث عن شاب لم يكن ملتزما أبدا، ولكن قسوة معاملة والده له، واحتقاره له، شكلا أكبر العوامل التي أدت به إلى أن يلتحق بتنظيم "داعش"؛ حين يئس من أهله، وأهملوه واحتقروه.
وكنت أقرأ عن منفذي عمليات بروكسل؛ فهم أصحاب أسبقيات إجرامية، مطلوبون للشرطة بناء على حوادث سطو وجرائم أخرى. ولعل العبارة التي وجدت على الجهاز المحمول لأحدهم تشير إلى أنه مطلوب لكل جهة، فأين يذهب، فكان أن نفذ عمليته.
ما من مصيبة إلا بما كسبت أيدينا: "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ" (الشورى، الآية 30). فنحن نسهم فيها بشكل كبير؛ إذ الظلم والقهر والازدراء والمحاباة والتكبر وغيرها، كلها عوامل تدفع الإنسان لأن يجنح نحو الخطأ. وإن استمرت عوامل هذا الجنوح فسيتطرف أكثر وأكثر. وعلينا أن نتوقع الكثير من هؤلاء، فمنهم من يختصر الطريق ويقضي على نفسه فينتحر، وهذا مؤشر خطير؛ وهناك من لا يفكر بإنهاء حياته فقط، بل ينتقم من مجتمعه وبيئته، فيوسع دائرة الانتقام لتشمل أكبر فئة ممكنة.
الإسلام يؤسس في النفس مبادئ سامية من الالتزام مع الله أولا. فالإسلام خضوع واستسلام وطاعة، فيما أمر الله تعالى ونهى، يؤجَر بناء على طاعته لله. ويتقدم الإسلام مرحلة أخرى فيما يسمى بالمعاملة، حيث الأخلاق التي حفلت بها الآيات والأحاديث، فلا ينفك الفرد عن جماعته أبدا، ولا جماعة المسلمين عن غيرهم في إطار الدعوة، بل الرحمة التي هي عنوان هذا الدين؛ فالإسلام في جوهره إنساني، لكل الناس، ولا يمكن أن يكون أصحابه إلا على مستوى هذه الرسالة.
هذا الأب الذي يحتقر ابنه ويضطره إلى السلوك السيئ، ألم يعلم أنه بسلوكه هذا يدفعه إلى ما هو أخطر بكثير من مجرد توجيهه وتربيته؟! يظن الأب أنه يربي، وأنه يقسو لمصلحة ابنه، ولكنه لا يتابع، ولا يدرك خطورة فعله. وهو مخطئ ابتداء إن كان الازدراء لأحد أبنائه بوجود البقية، أو كانت المحاباة بينهم. ونتذكر كيف كاد إخوة يوسف له نتيجة لميل أبيهم له، فكيف وهذا يرى احتقار أبيه له بوجود إخوته؟ وهذا الذي لأجله نسمع ونقرأ أن شابا قتل والده، أو قتل أسرته، وكلها جرائم ينبغي أن ننتبه إليها، سواء كان الأمر انتحارا أم قتلا للأهل أو بعضهم، أم كان التحاقا بمنظمات لا نعرف لها راية حقيقية، بل رايتها عمية.
ليست هناك مشكلة واحدة أو سبب واحد للتصرفات الدخيلة على بيئاتنا ومجتمعاتنا، بل هي منظومة متكاملة من عوامل اليأس، وبالتالي الاندفاع نحو القتل والإرهاب. الثقافة والمعاملة البيتية والمجتمع والدولة، كلها مسؤولة؛ البيت في التأسيس، والمدرسة في التعليم، والمسجد في التوجيه، والمجتمع في استيعاب أبنائه، والدولة في ضبطها وأن تكون قياداتها نموذجا وقدوة، حين تحَقق العدالة والمساواة والاستقامة. وهناك الإعلام ومنظومة القوانين التي ينبغي أن تراعي دين الأمة وعاداتها وهي تشرع لمبدأ الحرية، فلا ينبغي أن يكون التعارض والتناقض.
أما الخطاب الديني على وجه التحديد، فينبغي أن يكون في مستوى أعلى من الوعي في كل اتجاه، خاصة في زمان الانفتاح والتحديات؛ في جانب بناء الروح والسمو بها، وتزكية النفس، وتأكيد مبادئ الأخلاق السامية، وحفظ حقوق الناس كلها مادية ومعنوية، والاعتزاز بالهوية، والدعوة إلى الخير، والفاعلية الإيجابية في المجتمع. فنحن أصحاب رسالة عالمية وسط، ونحن الشهود على الأمم: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا..." (البقرة، الآية 143).
لا ننكر أن التحديات كثيرة؛ الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فالفقر في الإسلام يعالَج ابتداء بالقناعة والصبر على المستوى الشخصي، وبالتعاون والمساعدة على مستوى المجتمع والدولة، وتوفير فرص العمل الشريف، فاليد العليا خير من اليد السفلى. أما بشأن الجهل بمبادئ الحياة، فلا بد أن تتعاون مؤسسات التربية والإعلام والمسجد ومؤسسات المجتمع المدني في صقل الشخصية وتوجيهها نحو المواطنة الصالحة، ولا يجوز أن أبني وغيري يهدم، فوجود التناقضات من أهم محفزات الاضطراب في الشخصية، وحينها قد نتوقع أي شيء.
أما الأوضاع السياسية، فهي بلا شك عامل رئيس في توجه قطاعات الشباب على وجه التحديد نحو الانتقام؛ فكيف نرى الظلم العالمي واقعا في فلسطين والعراق والشام، ونجد شلل الإرادة العربية والنفاق العالمي وازدواجية المعايير. هذا يسهم بشكل كبير نحو توجه الشباب إلى الانتقام. أما في الشأن الداخلي لكل بلد، فهي أمور معروفة، حين تكون الدكتاتوريات في معظم البلدان، والفساد عنوانها، والقهر سيد الموقف، والعبودية نموذج الحضارة العربية الحديثة، ليقول حاكمهم: "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد".
الاستقرار لا يكون بغير عدالة. وليس عجيبا أن يأمر الله بالعدل ابتداء: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ..." (النحل، الآية 90)، وهي آكد واجبات الحاكم بعد أن يزهد فيما في أيدي الناس ولا يطمع فيه: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا" (النساء، الآية 58). وحين نقول هي واجبات الحاكم والمسؤول عموما، فإنها هي في الوقت نفسه حقوق المواطنين، وحين يرون القدوة فلا شك سيكون شأنهم -غالبا- الالتزام، وبالتالي الاستقامة والعطاء والانتماء الحقيقي المثمر.
لنجفف عوامل الإرهاب بما نستطيع على الأقل؛ توجيها في البيت، وبالحوارات الصريحة، والنقد البناء، ولنعلم أن هؤلاء الذين ينخرطون مع هذه المنظمات غالبهم ضحايا، فلا بد من وعي وفهم وحسن حوار وأدب نقد، فنعينهم للرجوع إلى الجادة، لا أن نعين عليهم الشيطان.

التعليق