مراتب الدهشة الإنسانية

تم نشره في الجمعة 25 آذار / مارس 2016. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

(أ)
الدهشة -كما أراها، ومن باب الفائدة، أمكن لأيّ كان أن يضيف إليها ما يشاء، لغاية البحث عمّا يجعل الإنسان أكثر فعلاً وفاعلية؛ معرفياً وأخلاقياً وجمالياً، في هذا العالَم- على ثلاثة أنواع: 1 - دهشة بالفطرة. 2 - دهشة بالقلب. 3 - دهشة بالعقل.
في الدهشة الأولى (= دهشة بالفطرة)، يشترك الإنسان مع بقية الكائنات البشرية في معاينة تمظهرات الكون الجميلة كما هي مُتخارجة عن ذاته، ومُتعالقة -في الوقت ذاته- معها؛ ابتداءً من اللامتناهيات في الصغر، وليس انتهاءً باللامتناهيات في الكِبَر؛ عالَمي ما تحت الذرّة وما فوق المجرة. بالفطرة قد تتحقّق الدهشة، عبر مكابدات معرفية وجمالية بين الذات والعالَم، لدى النبي بالدرجة ذاتها لدى الطفل، أو لدى الفيلسوف بالدرجة ذاتها لدى النجّار.
وفي الدهشة الثانية (= الدهشة بالقلب)، يشترك الإنسان مع ذاتٍ إنسانية أخرى في إبراز هذه الدهشة وتحقيق إمكاناتها في الوجود. هَهُنا ستحتاج الذات إلى شحنة كهربائية مزدوجة (ذكورية/ أنثوية) لكي تقدح زِناد الدهشة، عبر التحقّق في اللذة الجسمانية كمرحلةٍ أولى، وإشعال -كمرحلةٍ ثانية- جذوة الحياة الرحمانية بينهما، بما يتجاوزهما إلى الذراري البَعْدية، من ثمَّ. بالقلب ستتحقّق الدهشة لدى الذكر بالدرجة ذاتها لدى الأنثى، وأيّ خلل في ميزان الدهشة لأحدهما على حساب الثاني، لن يخلخل معادلة اللذة الجسمانية فحسب، بل سيخلخل البناء الحضاري برمّته، ويدفعه باتجاه خيارات انتحارية بالتالي.
وفي الدهشة الثالثة (= الدهشة بالعقل)، يتمايز الإنسان الواحد عن بقية البشر حصراً، فهو بإزاء مهمة استثنائية على المستوى الوجودي؛ عدم الإيمان بها سيحوّله إلى كائن صغير. إنه يتجلّى تجلّيه الأكبر بتأكيد فردانيته، بصفتها المُنجز الأكبر في هذا العالم، على حساب الكتلة البشرية كاملة، فهو يُبدع ما لا تستطيع إبداعه أي ذات أخرى.

(ب)
في تعالقات الدهشة الأولى (= دهشة بالفطرة) بين الذات والعالَم، يكون الإنسان ما يزال بِكراً في تعاملاته مع إحداثيات هذا العالَم، لذا لا يفتأ "ينفعل" بما هو موجود، ويتحسّس القوة الطاغية للمُدهِش الخارجي على إحداث حالة إرباك داخلي، بما يتجاوز قدرة الإنسان على تهذيب هذه القوة والتعامل معها بما يتلاءم واندفاعاته الداخلية.
هَهُنا يتفوّق "العالَم" على "الذات"، ويجعل منها أسيرةً لقوةٍ هائلة، لا يسع الذات إزاءها إلا الانفعال والتحقّق في دهشة متواصلة. وأن تتساوى الكائنات الإنسانية بالأساس في التحقّق في هذه الدهشة، فناتجٌ بالأساس من حالة السلب التي تعانيها البشرية من موقفها من العالَم، إذ لا حول لها ولا قوة في التعامل مع إحداثياته، من كواكب ونجوم وشموس وأقمار وبحار وجبال وأنهار وغابات... إلخ.
وفي تعالقات الدهشة الثانية (= دهشة القلب) بين الذات المزدوجة؛ الذكورية والأنثوية، يتحوّل الإنسان من طور "المُنفعل" كما هي حاله في دهشة الفطرة، إلى طور "الفاعل والمفعول به" إيجابياً مع الدهشة القلبية. الإيجاب مُتأتٍّ من انتقاله من حالة المفعول به إلى حالة الفاعل في اللحظة ذاتها، فالتحقّق في اللذة الجسمانية، يتطلّب من الذات أن تكون فاعلة ومفعولاً بها، إذ لا يمكن أن تنقدح الدهشة القلبية بين ذكر وأنثى، إلا بالتوافر على شحنتين مختلفتين: سالبة وموجبة، تتداخلان مع بعضهما بعضا لحظة الوصل والوصال الجسماني، لغاية التحقّق في لذّتين: الأولى، ذاتية متعلقة باللذة الذاتية؛ فاللحظة الزمانية الناتجة عن اندماج شحنتين كهربائيتين مختلفتين تُولّد نوعاً من الهلاك الجميل، بما يفصل هذه اللحظة عن سياقات الزمن الجاري ويدخلهما في زمن أبدي، ستتحقّق بموجبه اللذّة القلبية الثانية، المُتعلقة بنتاج التواصل الجسماني بين ذكر وأنثى، لناحية الذراري التي يصبح وجودها في العالَم إمكاناً تواصلياً لحظة التواصل الجسماني، بما يجعل من الدهشة بالقلب، موقفاً من العالَم بالدرجة الأولى. فالمدهوش بالفطرة إذ يعجز عن اتخاذ موقف من العالم، نتيجة للحضور الطاغي والكبير لإحداثيات العالم على الذات، والعجز عن مجاراة هذا الحضور، ينسحب إلى منطقته الخاصة، وهناك يتخّذ موقفاً من العالَم، عبر إرباك منظومته الذاتية إرباكاً جميلاً، وممارسة دور "الفاعل والمفعول به" في الوقت عينه.
وفي تعالقات الدهشة الثالثة (= الدهشة العقلية)، يتحوّل الإنسان من طوري: 1- "المنفعل" كما تحقّقت في دهشة الفطرة، و2- "الفاعل والمفعول به" في طور الدهشة القلبية، إلى طور ثالث يتأكّد فيه كـ"فاعل حضاري". فالعالَم الذي عجز عن مجاراته في مرحلة الدهشة الأولى، ها هو يصير مطواعاً بين يديه هذه المرة، عبر اجتراح مجموعة لا حصر لها من الإبداعية الفردية، التي تنقله من حالة السلب الوجودي إلى حالة الإيجاب الحضاري، إذ حَالَ حضور الذات في العالَم إلى حضور كبير وطاغٍ، وصار العالَم طوع بنان الذات الإنسانية.
ومما لا شكّ فيه أن ثمة تراتبية في انبناءات الدهشة الثلاثية التي أشرتُ إليها. ففي المرحلة الأولى، تكون الذات في حالة بِكر وطهارة، لذا لا تفتأ تنفعل بالعالَم. وفي المرحلة الثانية، تفعل الذات بقدر ما يُفعَل بها، لذا لا تفتأ تتململ وتتشقّق يراعتها، للانتقال من مرحلة الذكر والأنثى إلى مرحلة الذوات الإنسانية الكثيرة، القادرة على مواجهة العالَم واتخاذ موقف حضاري منه.
وبناء عليه، يتخلّق السؤال المحوري والأساسي في عملية الدهشة العقلية: لماذا أنا هنا، وما هو الدور المُناط بي وجودياً، بحيث استدعى وجودي في هذا العالَم، ولم يكن له أن ينتقل خطوة ناحية الأمام إلا بإبداعي الخاص، الذي يختلف بلا شك عن إبداع الذوات الأخرى؟
في سياقات الإجابة عن هذا السؤال الكبير، سيحدث انفصال بين الإنسان وبقية الذوات الإنسانية الأخرى، عبر عملية الإبداع الفردي. فدهشته الكبرى تتخلّق في رحم عقله على هيئة عمل إبداعي، ومن ثم يحدث قذف لهذا العمل إلى العالَم الخارجي، بحيث يساهم في إحكام سيطرة الإنسان على علاقته بالعالَم الذي يعيش فيه. ومن ثمّ "يتصّل" ببقية الذوات الإنسانية مرحلة ما بعد الإبداع، لمعاينة إبداعات الآخرين وتمثّل قدرتها على جعل الإنسان "مُدهِشَاً" عبر إبداعات كثيرة وعديدة، بقدر ما كان "مدهوشاً" مرحلة ما قبل الإبداع الفردي.
وعليه، فانفصال الإنسان لحظة الإبداع عن بقية الذوات الأخرى، مطلب وجودي بالدرجة الأولى، واتصاله بها من جديد في مرحلة ما بعد الإبداع، مطلب حضاري بالدرجة الأولى أيضاً؛ إذ يُعاين كل إبداع من شأنه الارتقاء بالإنسان ومسيرته الحياتية. وما بين الانفصال والاتصال، تتأكّد القيمة الحقيقية للإنسان في هذا العالَم، فهو "فاعل" حضاري به، ومجترح لسياقات جديدة في بنيته التأسيسية.

التعليق