د.أحمد جميل عزم

ما ستقوله ندوات العام 2017 عن المصالحة

تم نشره في الثلاثاء 29 آذار / مارس 2016. 01:06 صباحاً

بما أنّ كثيرا من عناوين المؤتمرات والندوات في مراكز الأبحاث العربية، يتحدد بناء على "الذكريات": مرور ستين عاما على النكبة، وأربعين على النكسة، وربع قرن على "أوسلو"... فإن العام المقبل سيحمل ندوات ومحاضرات عن عشرة أعوام على الانقسام بين حركتي "فتح" و"حماس"، وسيعلن رسمياً أن لا أمل في مصالحة الفصيلين، وسيتكرس اتجاه الشعب للبحث عن خلاص بعيداً عنهما.
انتهى عامٌ كامل على "قرار" المجلس الوطني الفلسطيني بشأن وقف التنسيق الأمني مع الإسرائيليين، ولم يحدث شيء. ومضت أشهر على استقالة غالبية أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أو بكلمات أدق الإعلان عن العزم على الاستقالة، لكن لم ينعقد أي مجلس وطني فلسطيني، ولم يجتمع المجلس أيضاً على خلفية الهبة الحالية في الأراضي الفلسطينية. وتستمر الأنباء عن اجتماعات في الدوحة وتركيا والقاهرة تمس المصالحة الفلسطينية. والغريب أنّ حكومة الوفاق التي تشكلت مخرجاً لأزمة تقاسم السلطة بين الفصيلين؛ "فتح" و"حماس"، عادت لتكون محور مفاوضات المصالحة الجديدة، في إشارة على لحاق مفاوضات المصالحة الفلسطينية الداخلية بمفاوضات التسوية الفلسطينية الإسرائيلية من حيث عبثيتها، وهو ما ستشير إليه وتتفق عليه ندوات العام المقبل.
في أكثر من ندوة ومحاضرة ومؤتمر شاركتُ فيها في العامين الماضيين عن المصالحة، أجزم أنّ أحداً، من مجتمع الباحثين والناشطين السياسيين، لم يعد يراهن على مصالحة الفصيلين، بل إنّ قادة الفصيلين لم يعودوا من ضمن المدعوين لهذه اللقاءات، فيما يجسد فقدان الأمل بالمصالحة. وبدأت مفردات وآراء تقول إنّه لا يجوز استخدام لفظة "المصالحة"، فهي غير واردة، ويجدر بدل ذلك الحديث عن الوحدة الوطنية، والانتخابات، وتجديد العمل الوطني، بعيداً عن فكرة المصالحة والفصيلين.
هذا الموقف من المجموعات المشتغلة بالبحث والتحليل السياسي، والمجتمع المدني، قد لا يؤدي إلى نتيجة مباشرة مع سيطرة الفصيلين على السلطة على أرض الواقع في الضفة الغربية وقطاع غزة. لكن هذا لا يعني أنّه لا توجد نتائج لهذه الفكرة. فغياب فكرة مصالحة الفصيلين وإعادة تشكيلهما للحركة السياسية الفلسطينية، بات أمرا واضحا إلى حد كبير في العقل الجمعي الفلسطيني. وتغير الفكر يتبعه، في كثير من الأحوال، تغير في الفعل. بمعنى أن ما فعله الفصيلان (الانقسام مع ما رافقه من شلل الحركة السياسية الفلسطينية المنظمة)، وما لم يفعلاه (المصالحة المستعصية)، أوجد تفكيرا من نوع جديد فلسطينياً، هذا سيتبعه على الأغلب فعل جديد في أطر الشارع الفلسطيني.
في الواقع أنّ الفكرة التي أزعم أنها واضحة لدى نخب التفكير السياسي الفلسطيني، موجودة وإن بشكل مُبطن في الانتفاضة الشعبية التي بدأت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عندما نزل الشبان، بمن فيهم شبان الفصائل الفلسطينية، لمواجهة الاحتلال وحواجزه وجنوده ومستوطنيه، من دون قرار فصائلي؛ فهو انعكاس لحالة كامنة في وعي هؤلاء الشبان أنّ الأطر التقليدية للعمل السياسي لم تعد جهة نتوقع أو نتخيل أنها ستقدم استراتيجية عمل جديدة، أو تطرح أدوات عمل للمواجهة، وبالتالي انتقل الشبان للنهج التجريبي، القائم على خوض غمار المواجهة، من دون انتظار الاستراتيجية الغائبة.
الآن بعد أشهر من الهبة، والنزف اليومي للشهداء والجرحى والأسرى، لم تحدث اجتماعات تذكر للأطر السياسية الفلسطينية، ولم يطرح أي تحرك مختلف عما كانت تطرحه سابقاً، والأهم أنها لم تتوحد؛ أي إنّ استجابتها للحدث كانت أقل كثيراً من التحدي، وبالتالي فشلت مجدداً في الوصول للتوقعات الشعبية. وفي الوقت ذاته، هناك تسليم بأنّ الأبطال/ الضحايا الذين يستشهدون يومياً لا يجب أن يستشهدوا هكذا في غياب استراتيجية وغياب حركة سياسية تطرح لهم البديل النضالي، أو تستثمر دماءهم لأغراض وطنية. وبالتالي، فإنّ التفكير السياسي الشعبي يتعمق باتجاه تطوير أدوات عمل بعيدة عن الفصيلين، ومن ذلك مثلا أنّ أهالي الشهداء يكوّنون أطر تحرك وحملات للتضامن المادي بينهم، ولملاحقة جنود الاحتلال في القانون الدولي والمحاكم بمعزل عن الفصائل والأطر المنظمة. وهذا يعني أن انحسارا متزايداً لفصائل الحركة السياسية الفلسطينية يحدث، كما يعني أيضاً أن وجودها في انحسار، بانتظار انطلاق بديل سيتبلور، لأنّ الفراغ السياسي، خصوصاً في ظروف الاحتلال، يعتبر أمراً مستحيلا، ولا يمكن أن يستمر.

التعليق