الدين والعلم وكتب العلوم المدرسية

تم نشره في الأربعاء 30 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً

د. عبدالقادر عابد*

خاض كثيرون، في الآونة الأخيرة، في علاقة الدين بالعلم في الكتب المدرسية في الأردن. وتوصلوا في النهاية إلى "تديين كتب العلوم"؛ بمعنى أنها أصبحت خاضعة للفكر الديني أو طريقة الدين في التفكير. كان ذلك واضحا تماما فيما ذهب إليه الأستاذ حسني عايش، وهو من نُحبّ ونُجِلّ، في مقاله "كتب العلوم..منهج يضر بالدين وبالعلم"، المنشور في "الغد" بتاريخ 14-2-2016. وفي اعتقادي أن كتب العلوم لم تُدَيّن، وهي كتب علمية صرفة، اتبعت طريقة التفكير العلمي في كل ما كتب فيها. وأن ما كتبه الأستاذ عايش قد ركّز على الشكل ولم يتناول صلب الموضوع.
طريقتا التفكير العلمي والتفكير الديني، اللتان أطال الكاتب في شرحهما، معروفتان جيدا، ولا ينبغي أن أعود لذلك. غير أن ما يؤخذ على الأستاذ عايش هو التعميم وعدم التفكير المستقل. فقد عمّم ما جرى في أوروبا في قرونها الوسطى منذ القرن السادس عشر الميلادي، على ما يجري أو سيجري عندنا. ففي أوروبا، قامت السلطة الدينية هناك بالتنكيل بالعلماء وقتلهم لأنهم تبنّوا فكرا علميا يخالف الفكرالديني السائد وقتئذ هناك. ولو كان الكاتب مستقلا في تفكيره، غير ناقل عن كتب الغرب الكثيرة التي كتبت في هذا الموضوع، لأشاد، أوعلى الأقل لنوّه، إلى أن شيئا من ذلك لم يحدث في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية التي استمرت رائدة علميّا بضعة قرون متطاولة من القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر ميلاديا. ولم يحدث أن خليفة أو أمير مؤمنين، في أي عصر من عصور الحضارة العربية الإسلامية، قام بإيذاء عالم أو قتله لكتاباته العلمية؛ لِمَ لمْ يؤْذَ، مثلا، أبو الريحان البيروني، رحمه الله، عندما قال بكروية الأرض وجاذبيتها وأن الناس حولها يقفون وأرجلهم نحو مركزها في أي مكان كانوا علي سطح كرة الأرض؟ ولِمَ لمْ يعاقب إخوان الصفا والبيروني والقزويني مثلا عندما قالوا بأن الجبال تنشأ بفعل عوامل طبيعية من تعرية وحت وترسيب وأن البحار والجبال تتغير مواقعها على سطح الأرض مع تغير الأزمان، وإن صفات الضوء في النجوم هو كصفاته على الأرض وأن الرؤية تحدث، كما قال بذلك الحسن بن الهيثم، بوصول الشعاع من الجسم المضيء إلى العين وليس العكس؟ والأمثلة تطول، وكلها تشهد أن لا نزاع بين التفكير العلمي والتفكير الديني في مبدأ الإسلام أي في الإسلام مبدأ سياسيا حاكما.
لم تُدَيّنْ كتب العلوم
استغرق الأستاذ حسني عايش صفحة كاملة من "الغد" الغراء وهو يسرد الأمثلة التي في نظره أدت إلى تديين كتب العلوم. وجميع ما حوته تلك الصفحة الكاملة كان ذكر الآيات التي وضعت في مقدمة كل وحدة من وحدات كتب العلوم جميعها وفي جميع الصفوف، ليس غير. وأسأل الكاتب الكريم: هل وضع آية في بداية كل وحدة من وحدات العلوم يعني أن الكتاب أصبح دَيِّنا؟ أم أنه يعني أن من كتب الكتاب قد كتبه بطريقة التفكير الديني وليس الطريقة العلمية؟ لقد كان واضحا من المقال أن مجرد وجود الآيات في بدايات الوحدات في كتب العلوم هو الدليل الوحيد لدى أستاذنا الفاضل على تديين تلك الكتب. وهذا التعميم منافٍ للعقل.
لقد ارتضت مديرية المناهج في وزارة التربية والتعليم أن تبدأ كل وحدة من وحدات كتب العلوم في جميع الصفوف بآية من القرآن الكريم من باب تعظيم الخالق أو تعميق العلاقة بالخالق العظيم جلَّ في عُلاه، تتبعها صورة تحتها تعليق ثم أهداف الوحدة... إلخ، وهو شكل من أشكال "نمطية التأليف" (Systematic of Writing). والسؤال المطروح على الأستاذ عايش: هل تدخّلت هذه الآية الكريمة اليتيمة الموجودة في بداية الوحدة بالمادة العلمية المكونة للوحدة؟ هل يستطيعُ الكاتبُ الكريمُ أن يأتيَ بمثال واحد من أي كتاب تبنّى طريقة التفكير الديني في صياغة جدول أو نشاط تحليلي أو نشاط عقلي أو نشاط استقصائي أو تجربة أو وصف أو سرد... إلخ؟
وكمثال على دقة ما ذهبت إليه؛ أن لا علاقة للآية الكريمة الموجودة في أول الوحدة بتديين تلك الوحدة، أذكر مثالا واحدا فقط حتى لا يطول بنا المقام. إذ ذكر الأستاذ عايش أن الآية الكريمة "... وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ" (فاطر، الآية 27) قد وردت في بداية كتاب علوم الأرض والبيئة، وحدة مكونات القشرة الأرضية والعمليات المؤثرة عليها. وتتحدث الوحدة عن أنواع الصخور المكوّنة لقشرة الأرض والكيفيات التي بها نشأت، ثم العمليات الجيولوجية التي تؤدي إلى تغيير عليها مع الزمن. وما ورد من وصف وتجارب وأنشطة وصور وأسئلة، مكتوب بالطريقة العلمية في هذا الموضوع. ولا نجد في أي مكان من الوحدة أي ذكر لتدخّل عوامل غير طبيعية في نشأة هذه الصخور واضمحلالها، تماما كما يفعل الآخرون في أي مكان من العالم. ولا نجد في ثنايا الوحدة أن هذه الآية الكريمة قد دفعت إلى إقحام الله، جلّ في عُلاه، أو الملائكة أو القرآن أو الجن، في صنع هذه الصخور. ألا ترى أنّ الدليل الذي ساقه الكاتب الفاضل على تديين كتب العلوم غير كافٍ، وأقل ما يُقالُ فيه أنّه "قَفْزٌ على النتائج" (jump onto conclusions).
كتب جيمس أشر، رئيس أساقفة أرماه في إيرلندة (1581-1656) كتابه الشهير "حوليات العهد القديم ونشوء العالم" (Annals of the Old Testament, Deduced from the First Origins of the World)، حيث حدد أن العالم قد نشأ العام 4004 قبل الميلاد، بمعنى أن عمر الأرض كله 6004 سنوات. وقد كان كتابا عظيما في حينه، أثر كثيرا في طريقة التفكير العلمي؛ فأخضعها فترة من الزمن ليست قصيرة للتفكير الديني. ولتفسير حدوث مظاهر الأرض الطبيعية كالجبال وصخورها وطبقاتها والمحيطات، في مدى 6004 سنوات التي هي عمر نشأة الأرض حسب تقويم أشر، ظهرت نظرية الكوارث (Catastrophism) التي تفضي بتدخل الله، جلّ في عُلاه، في إحداث كوارث طبيعية كفيضان نوح عليه السلام أو الزلازل والنيازك وغيرها، في تشكُّل الجبال والطبقات... إلخ. فهذا مثال واضح على كيفية تديين العلوم، حدث في الماضي وانتهى بعد أن استوت علوم الأرض على سوقها. فهل في الوحدة المشار إليها أعلاه من مثل هذا التدخل في كتابتها (أي الوحدة)؟ الجواب بالطبع، لا. وهو كذلك في جميع وحدات كتب العلوم على الرغم من وجود الآيات الكريمة في بداياتها.
لمز الإسلام
عرّض الباحث بالإسلام، وليته ما فعل، حتى يبقى الحديث منصبا على المناهج والكتب المدرسية. فقد قال بوضوح: إن الإسلام (الدين) مفرِّق والعلم موحِّد، وإن الإسلام جامد والعلم متطوِّر، وإن النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين لم يستطيعوا أن يخترعوا العلم الذي أنتجه الكفار فيما بعد... إلخ ما ذكر. ثم الدعوة الواضحة إلى الفصل الكامل بين الإسلام والمجتمع. وهو فكر رأسمالي معروف جيدا له دعاته ومناصروه. وشَكَّكَ في الآية الكريمة "وجعلنا من الماء كلَّ شيءٍ حيٍّ" عندما قال: "إن جميع الكائنات الحية تحيا أيضا بالأكسجين"، وهو غير صحيح البتة لأن كثيرا من الكائنات تموت بوجود الأكسجين في بيئتها لأنها لا تحتاجه في حياتها. وقال أيضا: "إن جميع الكائنات تحيا بالشمس (الطاقة)"، وهو كذلك غير صحيح البتة لأن الكثير من الكائنات تعيش في ظلام دامس وتموت إذا لامست ضياء الشمس.
التخلف الشامل الذي تعيشه الأمة ليس مرده الإسلام الجامد المفرِّق كما يقول الكاتب الفاضل، بل أنظمة الحكم التابعة المسيطر عليها التي لا تقبل البحث العلمي سبيلا في النهضة، وتصر على ذلك. إن وجود الآية الكريمة في بداية وحدات كتب العلوم المدرسية لا يمكن أن يكون سببا (حتى لو ألغينا عقولنا) في هيمنة الإسلام على العلوم وبالتالي تخلف الأمة علميا. وأدعو الكاتب الفاضل للنظر العميق في تجربة مصر العربية في عهد محمد علي (1805-1849) عندما نهضت علميا وتقانيا مع وجود الدين لأن نظام الحكم أراد النهضة، ثم ارتكست بعد ذلك علميا وتقانيا بعد موته واستعمار مصر ثم مجيء طبقة أنظمة الحكم المعادية للتقدم والنهضة والبحث العلمي.

*أستاذ الجيولوجيا في الجامعة الأردنية

التعليق