أوروبا مقابل "داعش"

تم نشره في الأربعاء 6 نيسان / أبريل 2016. 12:00 صباحاً

دومينيك مويسي *

باريس - بعد هجمات 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الإرهابية في باريس، والتي خلفت 130 قتيلا، كتبتُ تعليقا بعنوان "نحن في حالة حرب"، وواجهتُ بعد ذلك انتقادات كبيرة من القراء الأوروبيين وغير الأوروبيين على حد سواء. كيف أجرؤ على استخدام كلمة "حرب" لوصف الهجمات! إن الكلمات هي بمثابة أسلحة، و يعتبر سوء استخدامها أمراً غير مسؤول، بل وخطير. ألم أتعلم شيئاً من شوفينية جورج بوش؟
في الحقيقة، كنت أعرف بالضبط ما كنت أفعله عندما اخترت هذه الكلمة. فعندما واجهت بروكسل هجوم إرهابياً في مطارها وفي محطة المترو الأسبوع قبل الماضي، استخدم أفراد خدمات الطوارئ نفس الكلمة، مطالبين بعلاج "إصابات الحرب". ولذلك سأقولها مرة أخرى: نحن في حالة حرب.
وليست هذه حرباً تقليدية، بطبيعة الحال. فلم يطلق أي إعلان رسمي عن أي أعمال حربية؛ لكن الهجمات التي شنت ضد باريس وبروكسل كانت أعمال حرب، وتتمثل في مناورات متعمدة ووحشية مخطط لها من قبل مجموعة من الناس يسيطرون على جزء كبير من الأرض.
ولا تستهدف هذه الأعمال سكان أوروبا فحسب، بل تطعن في قيمها الأساسية أيضاً، وهي جزء من نمط أوسع من العدوان الذي لن يتلاشى ببساطة. وفي واقع الأمر، وعلى الرغم من احتمال تقلص مناطق "الدولة الإسلامية"  في سورية والعراق، فإنها تتوسع في ليبيا. ومن يدري أي بلد سيستولي عليه تنظيم "داعش" غداً؟ على سبيل المثال، يمكن أن تكون أجزاء من الجزائر معرضة للخطر.
لقد حان الوقت لكي يدرك الاتحاد الأوروبي الواقع: أنه في حالة حرب، سواء شاء أم أبى، ويجب أن يتصرف على هذا الأساس. وهذه لحظة قوية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي تحتاج فيها أوروبا إلى تولي مسؤولية أمنها بنفسها، وقد حان الوقت لذلك. وهذا يعني التعامل مع الخطر في الداخل وأخذ دور قيادي لمكافحة "داعش"، ليس فقط بسبب القرب الجغرافي لأوروبا، ولكن بسبب المساهمات الماضية التي قامت بها بعض الدول الأعضاء، مثل فرنسا، وإيطاليا، والمملكة المتحدة، لزعزعة استقرار المنطقة.
في هذا المسعى، من المهم أن لا يتم الخلط بين الإرهابيين واللاجئين المهاجرين إلى أوروبا. ويعتبر اللاجئون، الذين طردوا من ديارهم بسبب تصرفات "داعش" وغيره من مرتكبي العنف، فرصة مهمة لأوروبا. لا يمكن السماح للشعبويين الأوروبيين اليوم، الذين يحتقرون القيم الأوروبية، بإضاعة هذه الفرصة من خلال التعصب وحملة التخويف.
بطبيعة الحال، ليس الإرهاب هو التهديد الأمني الوحيد الذي يواجه الاتحاد الأوروبي حالياً. فمع تركيز الولايات المتحدة على آسيا والشرق الأوسط (ناهيك عن نفسها)، أصبح الأمر متروكاً لقادة الاتحاد الأوروبي ليحزموا أمرهم للحد من طموحات روسيا في الجزء الشرقي من أوروبا.
وفي حين أن بإمكان الاتحاد الأوروبي صب اهتمامه نحو الداخل إذا ما أتيحت له فرصة الاختيار، يجب مواجهة هذه التحديات الخارجية الشاقة، وسيكون آخر ما يحتاج إليه هو صعود التحديات الداخلية أو عدم الاستقرار. لكن هذا هو ما يواجهه بالضبط، وذلك بفضل محاولات رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الفاشلة إرضاء المعارضين في حزب المحافظين من أجل البقاء في الاتحاد الأوروبي من خلال التخطيط للاستفتاء حول ما إذا كانت المملكة المتحدة يجب أن تظل عضواً أم لا. وعندما يكون منزلك المشترك معرضا لخطر الحريق، فإنك تعمل مع مستأجرين آخرين لإخماد الحريق. ولن تثير ضجة حول من هو الذي سيحمل الخرطوم لإطفاء الحريق.
ثمة مفارقة بين ما تحتاج إليه أوروبا وما هي على استعداد للقيام به، مما يعكس وجود فجوة بين العقل والعاطفة. فمن المنطلق العقلاني، نرى أن هناك حاجة واضحة إلى مزيد من التعاون الأوروبي في مجال الأمن والدفاع، كما أشار رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي. أما عاطفياً، فيبدو أن العكس صحيح، كما يتضح من فشل الاتحاد الأوروبي في صياغة سياسة مشتركة تجاه نزوح اللاجئين.
مثل رينزي اليوم، تقوم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وحدها بتوجيه نداء من أجل الاستجابة الإنسانية لأزمة اللاجئين. وبالنسبة لمعظم الأوروبيين، يبدو أن الوضع تصعب مقاومته، ولذلك نفروا منه. "اللاجئون، هذه  مشكلتك"، كما قالت رئيسة لاتفيا، ريموندز فيجونيس، في أحد الأيام لميركل في اجتماع المجلس الأوروبي في العام الماضي. ويثير الإرهاب بتكتيكاته التي لا يمكن التنبؤ بها وحدوده الغامضة قلقاً مماثلاً.
إن هذا التحدي خطير بشكل كبير في حقيقة الأمر. وفي المقابل، لا تتبادل دول الاتحاد الأوروبي حتى المعلومات على نحو فعال. وقد نشأت مشكلة مماثلة بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، أي بعد الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة التي حجبت المعلومات حتى عن أقرب حلفائها، مثل كندا والمملكة المتحدة. وكان ذلك سبب إحباط مباشر في كانون الثاني (يناير) 2002 في المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث ترأست جلسة خاصة لقادة الأجهزة الأمنية الغربية.
واليوم، وفقا لقوة قوانين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، هناك من جهة أجهزة الاستخبارات والأمن الفرنسية والبريطانية (وهي الأقوى)، وهناك البقية من جهة أخرى. وتعتبر بلجيكا ضعيفة في هذا المجال، نظراً لضعف هياكل دولتها وهويتها اللغوية والثقافية المعقدة، وعدم حصولها على معلومات من جانب الفرنسيين والبريطانيين على الإطلاق. لكن هذا ليس الوقت المناسب للتكبر، ناهيك عن الخوف والإخفاء.
إذا كان الإرهابيون يستهدفون أوروبا، فذلك لأنهم يعتقدون أن أوروبا هي رابط الغرب الضعيف. ومن أجل سلامتها، يتعين على أوروبا أن تثبت عكس ذلك. والطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي وقف السماح للرغبة العاطفية بالاختباء وراء القومية، مدعية أنها ستطغى على الإدراك العقلاني، وهو السبيل الوحيد  لتأكيد أن العمل الموحد هو الحل الوحيد لاستتباب الأمن على نطاق أوسع.

*أستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس، ومستشار رفيع للمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وأستاذ زائر في كلية كينغز في لندن.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق