موفق ملكاوي

مرض الكتابة ومناطق النفوذ

تم نشره في الأربعاء 6 نيسان / أبريل 2016. 11:00 مـساءً

لا بأس من الاعتراف أن الكتابة مرض كغيرها من الأمراض القابلة للشفاء، أو الاستفحال والنكوص بصاحبها إلى حد خطير يودي باستقراره في نهاية المطاف.
المدخل ليس فلسفيا من أجل إفراد صفة التميز للكتابة عن طريق الإيهام، كما يفعل كثيرون ممن ما يزالون في بداية الطريق ويعتقدون أن الأمر استثنائي أن تكون كاتبا، فيتلمسون خطواتهم الأولى في هذا العالم المبهم لكي يخوضوا بحر الشهرة الاستثنائية، بل هو مدخل للتفكر في السيكولوجيا المعقدة للكاتب، والتي تجبره إلى الانجرار نحو حياة، يكون في كثير من الأحيان كارها للأولويات التي تفرضها عليه.
الكتابة مرض في الجينات، على الغالب، تجبرك، ومنذ سنوات طفولتك الأولى على أن تكون غريبا عن بيئتك؛ تفشل في الاهتمام بما يهتم به الآخرون: لا تجيد لعب الكرة، وتكون ثقيل الظل بين أصدقائك الذين ينخرطون في العادة بأمور لا تعنيك، حتى لو حاولت تقبّل اهتماماتهم ومجاراتهم فيها، فسرعان ما تزهد فيها، وترتد إلى نفسك من جديد، من دون أن تعرف سببا منطقيا واحدا يجبرك على ذلك.
مرض الكتابة يسبب لك الفشل في أن تكون متآلفا مع بيئتك، وتظل نفسك معلقة في أسئلة كثيرة، تحاول جاهدا أن تجد لها إجابات تكون مقنعة، وقادرة على إخراجك من حالة الإبهام والانغلاق التي تعيشها. أسئلة، في العادة، تكون وجودية أو شبه وجودية، غير أن بعضها يكون غاية في البساطة، ومن النوع الذي يجيب عليه الآخرون بسهولة ويسر، ومن دون تردد، ولكن بالنسبة إليك، تبحث عن إجابات أخرى، لا تعرف طبيعتها.
الكتابة مرض، لا يضع أمامك خيارات كثيرة للمضي فيها، تجبرك على سلوك درب ترابي صغير واحد، قد يفضي بك إلى طريق واسع، وقد تمضي عمرك من غير أن تستطيع الخروج منه نحو نور يقيني.
تجبرك الحالة المرضية على أن تعيش القلق في كل لحظة، ومن كل شيء تقريبا، ابتداء بمزاجك الصباحي، وماذا ترتدي، وأين تأكل وجبتك المقبلة، وليس انتهاء بالقلق من انهيار مخزون العالم من الجليد في القطب الشمالي، ومخاطر الاحترار، وإمكانيات توسع منظومة الدول النووية.
تشعر أن الأمر بغيض في جميع أوجهه، غير أن واحدا من وجوهه هو الأكثر بغضا وإنهاكا للفكر والجسد، والمتمثل في استمرار إخضاع ما يقوله الآخرون وما يفعلونه للتقييم والنقد، وبناء السيناريوهات المختلفة على إمكانية حدوث، أو عدم حدوث الأمور كما يمكن أن تخطط لها.
تلك النقطة بالذات تبعدك باستمرار عن التآلف مع المحيط؛ إذ غالبا ما يكون لديك أفكارك الخاصة وقناعاتك عن الجميع من حولك، وهي قناعات طورتها على امتداد تعاملك الدائم معهم، وأصبحت راسخة بما لا يدع مجالا لدحضها.
تلك النقطة بالذات، تجعلك تحيط نفسك بسياج يكفي لأن يبقي الآخرين بعيدا عن مناطق النفوذ التي أوجدتها لنفسك.. ولنفسك فقط.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إبداع (فاطمة يوسف عبد الرحيم)

    الجمعة 8 نيسان / أبريل 2016.
    الكتابة مرض إن أوقعت الكاتب في محن اجتماعية ولكنها إبداع إن أوصلت فكرة أو علمت قيمة إنسانية ، مقال رائع فيه الكثير من المنطق والواقعية
    أبدعت أستاذ موفق
  • »حقاً مرض... (سامية العطعوط)

    الخميس 7 نيسان / أبريل 2016.
    مقال يعبّر عن معظم ما يشعر به الكتّاب... رائع