د.أحمد جميل عزم

بقرة بيت ساحور

تم نشره في الخميس 14 نيسان / أبريل 2016. 11:07 مـساءً

كان عامر شوملي ولداً في مخيم اليرموك، بدمشق، حين كانت سيرة الانتفاضة تُتلى. وفي يومٍ جاءه والده إلى المدرسة، ليصطحبه قبل نهاية الدوام، وأخبره أنّ ابن عمه مات وسيذهبون لجنازته، في الكنيسة. ظنّ أنّ عشرات سيحضرون، لكنه وجد كنيسة ممتلئة عن بكرة أبيها والشوارع المحيطة. الذي مات استُشهدَ في بيت ساحور في فلسطين، وهكذا هي جنازات الشهداء الرمزية.
عندما قرر أهالي بيت ساحور في الانتفاضة الأولى العام 1987، الثورة، قرروا أن يضموا فيها البشر والحيوان والشجر والحجر، وضمن مشاريعهم سيكون -مع الزراعة المنزلية، وعدم دفع الضرائب، وعدم حمل الهوية الشخصية الاحتلالية، ورمي الحجر- مشروع البقرات الثماني عشرة.
عاد عامر بعد سنوات للوطن. وبِحس الفنان، أسَرَتهُ الصحراء المؤدية لبيت ساحور الجميلة، قريبا من حقل الرعاة، حيث كان رعاةٌ ساهرون، ليس بعيداً عن مدينة القمر، أريحا، حين جاءتهم بشارة ميلاد السيد المسيح عليه السلام، فبدأ مشاهد فيلمه "المطلوبون الـ18"، في هذه الصحراء.
اشتروها من "كيبوتس" إسرائيلي، بواسطة ناشط مؤيد للسلام والنضال الفلسطيني. وعندما تكون البقرات جزءا من ثورة وتحرر، طبيعي أن يستقبلها الناس بحفاوة كما لو كان عرسا في القرية، بل لو كان عرسا لربما أجّلوه؛ فيوم قدومها كانت الأمطار تنهمر، ورغم ذلك ورغم هرب البقرات وملاحقتها في الوحل، عمّ الفرح والهتاف والحب. ويوم أنجبت بقرة منهن، كان كثيرون يتحلقون حولها ينتظرون، ورقصوا ببهجة كما لم يرقصوا لو كان الاحتفال بمولود جديد في بيت ساحور.
وصار أنطون، المطارد من قبل الاحتلال، ينام على القش مع البقرات، ونشأت أُلفة؛ وأمّه تطلب منه أن يهدأ ويقلل نشاطه الثوري، وتسأله: "هل تظن نفسك ستصبح مكان ياسر عرفات؟"، ويرد: "ربما، من أدراك؟". ولكن أهالي بيت ساحور يعرفون الغنم والماعز، ولا يعرفون البقر، فكان الأمر أشبه بالتجارب. وطلبوا من سليم في الولايات المتحدة أن يتعلم حلب الأبقار قبل عودته. وصار الأمر ثورة، والناس تردد "هذه فكرة عبقرية"، ونريد التخلص من حليب شركة "تنوفا" الإسرائيلية.
ويخشى جيش الاحتلال أنّ يُعمم نموذج البقرات، فيداهم مكانهن، ويعطي إنذارا. ويسألُ ساحوريٌّ عن مشكلتهم مع البقر، فيرد الضابط بجديّة مطلقة: "هذه البقرات خطر على أمن إسرائيل"!
كانت البقرات منظومة حرب كاملة؛ بدأَ الشبان الملثمون يهاجمون سيارات "تنوفا" ويهشمونها ويمنعونها من الدخول. وعندما بدأت مطاردة الاحتلال للبقرات، أرسلوها ليلاً سراً لبيت الجزار، أبو حنا وزوجته اللذين خبآها داخل بيت حقيقي للبشر. وعندما اكتشف العدو الأمر، وصار جدل ونقاش، ومحاججة قانونية وإنذار، نُقلت الأبقار لمزرعة عند سيدة كانت، أيضاً، تخيط الأعلام الفلسطينية، ومعها صديقتان، وكن يخشين شراء كل ألوان العلم دفعة واحدة، فتذهب كل منهن على حده لشراء قماش أحد الألوان، وعنما تجتمع الألوان تبدأ الخياطة. خبأن البقرات في مزرعة، وفي الطابق الثاني حيث العلف، كان المطاردون يأتون وينامون، ويذهبون قبل طلوع الصباح. وكان أصحاب المزرعة يذهبون ويجدون أحياناً أعلاماً مخبأة ونسخاً من القرآن وصلبانا ونسخاً من الإنجيل. وكان الملثمون من شباب الانتفاضة، يوزعون الحليب ليلاً سراً على البيوت. وعندما اشتد الحصار ومنع التجول، كان طبيب يخبئ الحليب في سيارته ويتحرك بذريعة حالات العلاج الطارئة. كان الأهالي "قابضين قصة البقر جد"، وصاروا يقولون "نموت في سبيل البقرات"، كيف لا وهي جزء من معركة تحرر، وخلفهم قيادة وطنية موحدة، يُفاجأون أن بعض ما يناقشونه ويقترحونه تورده في بياناتها وبرامجها الشهرية؟
جاءت اتفاقيات "أوسلو"، وخرج أهالٍ للاحتفال لاعتقادهم أن هذه بشرى التحرر، وعمّ صوت أبواق السيارات، ووضع البعض أغصان الزيتون على سيارات جيش الاحتلال. لكن شبّانا كرهوا المشهد ولاذوا بالصحراء. وكان أنطون غاضباً، واقترح على الشبان الذهاب في مظاهرة ختامية، فاستشهد.
توقف مشروع البقرات، وبقيت أربع، أرسلوهن لبيعهن للجزار. هربت واحدة، ولم يعثر لها على أثر، حتى صارت حكاية.
يسير عامر في الصحراء ويبحث في الكهوف، ويذكر أن البقرة ربما لجأت إلى واحدة منها، حيث كان الشبان الرافضون يأتون. ويتذكر القصة، ويوثقها في الفيلم، ويتذكر ويتحدث عن الشهيد أنطون، ابن عمه، الذي شارك في جنازته في دمشق.

التعليق