محمد برهومة

بريجنسكي وإيران والخليج

تم نشره في الجمعة 15 نيسان / أبريل 2016. 12:06 صباحاً

نُقل مؤخراً عن مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغينيو بريجنسكي قوله إن سياسة الرئيس باراك أوباما المترددة إزاء المنطقة العربية قوضت الأمن الإقليمي، وعززت من انتشار الفوضى، وأضعفت العرب مقابل إيران. وعن توقعاته للمنطقة خلال الأعوام العشرة المقبلة، لم يبدِ بريجنسكي تفاؤلاً، بل يرى أننا سنشهد مزيداً من العنف والتفكك على مستوى الدولة الوطنية. هذا، بلا شك، ملخص تقدير استراتيجي مرعب ويثير الفزع. وبالرغم من ذلك، لا يُجدي النواح وإدمان الكلام عن "المؤامرة".
أزعم أن من المهم لدول "مجلس التعاون" الخليجي ألا تحصر مستقبل علاقاتها بالولايات المتحدة في التركيز على عنصر واحد هو الاتفاق النووي الإيراني، ومآلات مساعي الانفتاح الأميركي على إيران. ثمة الكثير مما يمكنها أن تفعله للإبقاء على متانة الشراكة الاستراتيجية مع القوة العظمى الأولى في العالم، خاصة وأن التحولات الاستراتيجية الأميركية في النظر إلى أهمية الشرق الأوسط شملت، منذ سنوات، انزياحات في النظر إلى إسرائيل أيضاً، إذ توارتْ وظائف هذه الأخيرة التي أُوكلت إليها زمن الحرب الباردة، فضلاً عن أن سقوط نظام صدام حسين قلّص كذلك وظيفتها الأمنية والاستراتيجية بالنسبة لواشنطن. وهو قول يجوز، بدرجة أو بأخرى، عند الحديث عن تركيا.
الرهان الأميركي على إيران ما تزال أمامه اختبارات كثيرة، على رغم نجاح إيران، من وجهة نظر أميركية، في امتحاني حربي أفغانستان والعراق؛ حيث كان التعاون السري مع أميركا مفصلياً، وهو ما جنتْ إيرانُ ثمارَه، وكان الاتفاق النووي تتويجاً وليس تدشيناً لفصلٍ جديد من تبادل المصالح وتأكيد صدقية مقولة "جبروت السياسة وهشاشة الأيديولوجيا".
في هذا السياق الواقعيّ، يمكن فهم المعاني الحقيقية الثاوية خلف دعوة وزير الخارجية الأميركي جون كيري، خلال زيارته البحرين ولقائه وزراء خارجية "مجلس التعاون"، إلى التأسيس لشراكة متقدمة بين أميركا ودول الخليج بشكل مماثل لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، وهو ما ستناقشه القمة الخليجية-الأميركية في الرياض في 21 نيسان (أبريل) الحالي.
التحديات الأمنية، وتعزيز السلم في الخليج والشرق الأوسط، يقتضيان هيكلاً أمنياً إقليمياً جديداً يسمح بالتفاهم بين دول الخليج وإيران على إدارة ملفات الصراع من دون الاعتماد على لغة السلاح وحروب الوكالة. هذا ملف من المهم أن تمتلك فيه دول الخليج رؤية متسقة وواضحة تعرضها على الرئيس أوباما عند اجتماع الزعماء الخليجيين به بعد أيام، وبما يتجاوز فكرة وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر، الذي أكد أن اليوم الذي سيسبق القمة الخليجية-الأميركية سيشهد الإعلان عن تشكيل مجلس أميركي-خليجي لوزراء الدفاع، لتقوية دفاعات الخليج وتعزيز العمل ضد "داعش".
القمة الخليجية-الأميركية، وإعلانات كيري وكارتر، والحرص الأميركي-الخليجي المشترك على الإبقاء على متانة الشراكة، ينبغي ألا تحجب التباين الاستراتيجي في النظر إلى الأولويات. والقمة فرصة لجسر الفجوة، والتوافق على خريطة طريق تضع محاربة "داعش"، ووقف التدخل الإيراني في الشؤون العربية ودعم المليشيات، مدخلين أساسيين لبناء هيكل أمن إقليمي جديد.

التعليق