الجندرية في الأفلام: أميرات ديزني نموذج جدلي

التمييز ضد النساء يطال هوليوود

تم نشره في الأحد 17 نيسان / أبريل 2016. 12:00 صباحاً

إسراء الردايدة

عمان- الحملات ضد التمييز في صناعة الأفلام كانت تغلي ببطء منذ زمن بعيد، ولكن نيرانها اشتعلت نهاية العام 2014، بعد تسريب أجور الممثلين خلال اختراق شبكة "سوني بيكتشرز" الإلكترونية، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم صدرت العديد من الدراسات التي تبين أن هنالك تمييزا عرقيا وجندريا في صناعة الأفلام.
وتشير الدراسات إلى أن المرأة تتعرض للتمييز والاستغلال من نواح عدة؛ فالصورة التي تقدم بها خاضعة لهيمنة ذكورية، وعدد السطور الحوارية التي تقدمها مقارنة مع الرجل، تواجدها خلف الشاشة وعملها في مجال الإنتاج والإخراج، الاستغلال الجسدي لها، وحتى الصورة التي تقدم بها عبر الأفلام الكرتونية التي تقودها "ديزني".
وعلى النقيض من ذلك، كان الممثلون الذكور أكثر حظا في الأدوار التي نالوها من حيث عدد الجمل الحوارية، كلما تقدموا بالسن مقابل الأقل عمرا، وشملت الدراسة نحو 2000 فيلم منها أفلام من ديزني، خصوصا تلك التي كانت بطولتها نسائية كما في فيلم بوكاهنتوس ومالفسينت وحورية البحر الصغيرة وأليس في بلاد العجائب.
وكانت النسب المستخلصة، كما نشرها موقع Polygraph، أن النساء بين سن 22 و31 تحدثن بنسبة 38 % من إجمالي الحوارات النسائية وهبط الرقم الى 31 % للممثلين الذين يتراوح عمرهم بين 32 و41، وبلغ 20 % لأولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 42 و65.
المساواة على الشاشة
المشروع قاده كل من هانا اندرسون ومات دانييلز من Polygraph؛ حيث حللوا نحو 2000 نص فيلم من أكثر الأفلام شعبية ونجاحا، وركزوا على النصوص والسطور التي كان عدد الكلمات فيها أقل من 1000 كلمة للممثلين عبر صفحاتهم على IMDB؛ حيث ركز التحليل على السيناريو وليس الفيلم، لأن المخرج يقوم أحيانا بتغيير النص والاسم وحتى جنس الممثل، وكل هذا من أجل توخي الدقة في النتائج.
وجاءت دراسة Polygraph استكمالا لدراسة أجراها مركز بحوث المرأة في التلفزيون والسينما في سان دييغو قبل عامين، وبحثت في تمثيل النساء في السينما بعد تحليل نحو 7 آلاف شخصية في 3000 عمل سينمائي، وجاء فيها أن الشخصيات النسائية عانت من التمثيل الضئيل في الأعمال السينمائية الكبرى التي أنتجت العام 2013.
واستطاعت دراسة Polygraph قياس عدد السطور الحوارية في النص الأصلي للفيلم التي أظهرت نسبة الجندرية في الأفلام وكانت نسبة السطور الحوارية التي نالتها الممثلات ذوات الأدوار القيادية 22 % من مجمل الأفلام التي حللت؛ حيث إن النساء يكن في المقام الثاني في كمية ونسبة حجم الحوار الذي يشكل في 34 % من الأفلام، بينما تشغل النساء دورين من أصل ثلاثة أدوار رئيسية في الفيلم التي تشكل 18 % من الأفلام، وفي المقابل السيناريو نفسه ينطبق على الممثلين الذكور ونسبتهم
82 % من الأفلام.
وفي تقرير آخر نشر في 22 شباط (فبراير) من العام الحالي بشأن  تنوع صناعة الترفيه من قبل جامعة جنوب كاليفورنيا وكلية انينبرغ للاتصال والصحافة، وبحثت في 109 أفلام التي أطلقتها أكبر الاستوديوهات الرئيسية بما فيها دور الفن في العام 2014، وحللت 305 سيناريوهات، وحلقات تلفزيونية ورقمية عبر 31 من مزودي الخدمات  التي بثت في شهر أيلول (سبتمبر) بين عامي 2014-2015.
ونحو أكثر من 11 الف شخصية تحدثت وحللت بحسب الجنس، والتمثيل العنصري والعرقي ووضع الممثلين، وتناولت أيضا 10 آلاف مبدع وكاتب و1500 من الرؤساء التنفيذيين من كلا الجنسين.
وجاء تحليل 414 من الأفلام والمسلسلات التي تمت دراستها كما يلي: الإناث اللواتي تحدثن شكلن الثلث فقط، أما الشخصيات التي زاد عمرها على 40 عاما من الممثلين في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية فكانت بنسبة 74.3 % للذكور مقابل 25.7 % للإناث.
واحتلت الإناث 15.2 % من المخرجين، و29.9 % من الكاتبات و22.3 % من مبتكرات ومؤلفات المسلسلات. وفي فئة الأفلام تتسع رقعة التمييز بين الجنسين؛ إذ إن 3.4 % فقط من النساء هن من المخرجات ونحو مخرجتين فقط من الأفلام التي تناولتها الدراسة من أصل 109 كن من النساء السود، وهن افا دو فيرني مخرجة فيلم "سيلما" وآما اسانتي مخرجة فيلم "بيلا".
وأشارت الأبحاث إلى أنه في 2014، فقط 23 % من النساء اللواتي شاركن في الأفلام ظهرن كموظفات، رغم أن المرأة في الحقيقة تسيطر على نصف بيئة العمل في الولايات المتحدة، في حين وصلت نسبة ظهورهن كبطلات في الأفلام إلى 12 %، بانخفاض
 4 % عن العام 2002.
أميرات ديزني والصورة التي قدمن بها
من خلال تحليل 30 فيلما لـ"ديزني وبيكسار"، تبين أن 22 منها كان المتحدثون لأغلب سطور الحوار من الممثلين ذكورا، يمكن تفهم الأمر في بعض الأفلام كما في فيلم "البحث عن  نيمو"؛ حيث يتناول قصة أب يبحث عن ابنه. ولكن الأمر المقلق أن الرجال نالوا حصة الأسد في الحوار في أفلام مختلفة كما في فيلم مولان، الحورية الصغيرة، وبوكاهنتوس وحتى في فيلم "فروزن" الذي يتناول حكاية شقيقتين هما الشخصيتان الرئيسيتان، وفيه كانت حصة الذكور في الحوار أكبر من النساء.
والمشكلة في أميرات ديزني، وفقا للباحثين، أن الفتيان والفتيات الصغار يشاهدون هذه الأفلام بشكل مستمر ويحفظون شخصياتها، ومن الأمور التي قد تؤثر بهم هي أن غالبية الشخصيات التي ترفه عنهم هي شخصيات ذكورية، في ظل غياب تقف أمام الوحوش مثلا؛ إذ لا تتوفر شخصيات نسائية عملاقة أو شخصية تخترع الأشياء، فكل من يقوم بأمر مختلف، غير ايجاد زوج، أو شيء جميل يكون ذكرا.
وفي دراسة أخرى نشرها الصحفي جيف جوا في صحيفة "واشنطن بوست" بتاريخ 25/01/2016، وجد أن أفلام ديزني لها تاريخ مختلف؛ إذ إن الأفلام التي أطلقت في أعوام 1937 و1950 و1959 لها بعد مؤلم؛ فشخصية "سنو وايت" مثلا تتمحور حول المظهر، فيما شخصية "سندريلا" لا تملك أي هواية أو موهبة، أما الأميرة النائمة فهي إما يتم تخديرها أو تنتظر أن يتم إنقاذها.
وتبين كارمن فوت أستاذة اللغويات في كلية بيتزير، أن الصغيرات لم يولدن ليحببن اللون الوردي للفساتين، ولكننا نعلمهن ذلك عند نقطة ما، ومن هنا فإن طريقة لعبهن وكيف يتحدثن أحيانا لا تكون طبيعية، وهذا يطرح السؤال الأهم: "من أين تحصل الفتيات على أفكارهن حول الفتيات؟".
وفي الوقت الذي ماتزال فيه هذه الدراسة حول أميرات ديزني في بدايتها، لكن النتائج الأولية أعطت معلومات تعد الأكبر في مؤتمر للغويين في العالم؛ إذ تلعب الفجوة بين الأجيال دورا في تقسيم امتيازات أميرات ديزني، فبعد العام 1959 أي منذ الأميرة النائمة استغرق "ديزني" نحو 30 عاما من أجل إنتاج شخصية أميرة جديدة، ففي هذه العقود شهدت الشركة تغييرات مفصلية؛ حيث توفي والت ديزني ونشرت بيتي فريدنا سحرها الأنثوي. وفي العام 1989 أطلقت "ديزني" حورية البحر، التي أشاد بها النقاد بخلاف أسلافها فهي شخصية تكمل الطابع الأنثوي وتفكر وتعمل بشكل مستقل، وهي جامحة ومتهورة، كما وصفها الناقد روجر ايبرت في صحيفة "نيويورك تايمز" دعما لها؛ اذ قال "إنها متهورة شجاعة".
ولكن بالرغم من كل هذا، الا أن هذه الأميرة الصغيرة تمثل صورة رجعية في فئة الأميرات لفيلم يتمحور حول امرأة يافعة، فإن الكثير من المتحدثين هم من الرجال، وهو أول فيلم عن أميرة لديزني يتحدث فيه الرجال أكثر من النساء.
وهنا بدأت الحكاية؛ فحبكة آريل الحورية الصغيرة تتطلب أن تفقد صوتها، ولكن في خمسة أفلام "ديزني" التي تلتها تكلمت النساء بشكل أقل، وفي المتوسط في تلك الأفلام حصل الرجال على ثلاثة أضعاف من السطور من النساء.
ففي أفلام الأميرات الكلاسيكيات الثلاث لـ"ديزني"، تحدثت النساء بالقدر نفسه للرجال، ففي سنو وايت كانت النسبة 50-50، أما في سندريلا 60-40، والأميرة النائمة سجلت 71 % من الحوار للنساء، وهي أفلام سجلت قبل أكثر من 50 عاما ومنحت المرأة فرصة كبيرة ليكون صوتها مسموعا.
وعلى العكس من كل ذلك، فإن كل الأفلام عن الأميرات من 1989-1999 شكلت عصر النهضة لـ"ديزني" بهيمنة ذكورية؛ حيث تحدث الرجال 68 % أغلب الوقت في فيلم حورية البحر، و71 % في "الجميلة والوحش"، و90 % في فيلم "علاء الدين"، و76 % في فيلم "بوكاهنتاس"، و77 % في فيلم "مولان".
وجزء من هذه المشكلة أن هذه الأفلام الحديثة التي كان معظمها من شخصيات ذكورية، وبصرف النظر عن البطلة فهي قدمت أمثلة قليلة للمرأة القوية أو المحترمة أو المفيدة أو الكوميدية.
لكن في فيلم "حورية البحر"، كان عملا رائدا بأسلوب جديد من ديزني، على غرار المسرحيات الغنائية في بروادواي وهنا كان عدد الحروف متساويا لكلا الجنسين، وتفسر ايسينها وير ذلك الأمر أنه مرتبط بالإهمال، لأننا دربنا لنعتقد أن الذكر هو القاعدة، لذا كل إضافة تكون شخصية ذكورية مثل صاحب محل أو حارس، وكونه مرتبطا بالثقافة  ومتأصلا فيها.
وبعد شخصية مولان 1998، أخذت "ديزني" 10 سنوات كفاصل زمني لتطلق شخصية جديدة، وهذه الأفلام كانت أفضل بمنح سطور للرجال والنساء على نحو متساو، ففي فيلم "Tangled" كان نصيب النساء 52 % من السطور، أما في "Brave" وهو فيلم حول علاقة الأمر بابنتها نالت النساء 74 %، لكن في فيلم Frozen، بالرغم من كونه حول علاقة شقيقتين ببعضهما بعضا، كان عدد الجمل الحوارية للرجال 59 %.
وبعيدا عن أهمية عدد السطور المقسمة بين الذكور والإناث، ما يهم فعليا هل الشخصية على القدر نفسه من الأهمية، وعلى نفس سوية التحديات التي تواجهها؛ حيث صنفت أميرات أفلام ديزني في الدراسة لنرى الطريقة التي تغير بها الحديث عن المرأة على مر الزمن وهنا الجانب الايجابي؛ إذ ركزت أفلام "ديزني" الكلاسيكية على المظهر، وكان أكثر من نصف المجاملات التي تلقتها الشخصيات متعلقة بمظهرها، و11 % فقط حول مهارات امتلكنها أو إنجازات قدمنها، أو عن ممتلكاتها وشخصيتها.
وحقبة النهضة لأميرات ديزني وأفلامها هي التسعينيات، فكانت نحو 38 % من المجاملات متعلقة بمظهرن، أما الباقي فارتبط بما امتلكنه من قدرات ونوايا ومواهب؛ أي الربع تقريبا.
وفي آخر دفعة من أفلام "ديزني" مثل "الأميرة والضفدع"، و"بريف" و"تانغلد"، و"فروزن"، اختلف النمط للمرة الأولى فباتت الأميرات يتلقين مديحا وثناء لمهارتهن وإنجازاتهن بعيدا عن المظهر، وفي المتوسط في هذه الأفلام 40 % من الثناء الموجه لها كان حول القدرات، فيما 22 % حول المظهر الجسدي.
ويتعلق جزء من القيام بمثل هذا التحليل تقديم صورة المرأة في الأفلام الأكثر حداثة من "ديزني"؛ فمثلا فيلما "فروزن" و"بريف"، قام بتأليفهما وإخراجهما فريق نسائي. فبريندا تشابمان هي من اخترع شخصية "بريف" وأرادت منها تحطيم الصورة النمطية لأميرة ديزني، في هدف قلب المعايير بحسب ما صرحت به على موقع الأبوة والأمومة على شبكة الانترنت.
تبذل استديوهات "ديزني" جهدا واضحا لتفعيل الحركة النسائية في الأفلام لأن هناك حاجة لمزيد من تفاعل الأطفال مع هذه الأفلام، وفهم كيف تؤثر في عقولهم وطبيعة إدراك دور الرجل والمرأة، وفي مثال آخر تم تصميم "الجميلة والوحش" العام 1991 كنموذج نسائي قدمه المدير التنفيذي ليندا وولفرتون، وهي أول امرأة تكتب سيناريو لفيلم للرسوم المتحركة في "ديزني". وقدمت وولفرتون "بيل" على غرار الحسناء كاثرين هيبورن في فيلم "نساء صغيرات"؛ كلاهما قوية ونشطية وتحب القراءة، وفق ما صرحت به آنذاك وولفرتون لصحيفة "لوس أنجلوس تايمز" في 1992.
ومن المهم النظر للعوالم التي تسكنها هذه الأميرات ومن يحكمها ومن له  السلطة، وفي ظل سعي "ديزني" لتقديم أميرات مختلفات يملكن خطابا قويا، فإن عصر النهضة انطلق من فيلم "حورية البحر" الذي قدم نموذجا للنساء الناشطات القادرات على الإنجاز.

التعليق