لا تصورني أيها المتطفل؟

تم نشره في الأحد 24 نيسان / أبريل 2016. 12:00 صباحاً

أقف مشدوها، وهو يقترب مني بضع خطى، يصوب عدسة هاتفه نحوي ومن دون استئذان، يلتقط صورة لي، ثم يمضي، ما الذي يحدث؟ هل يكفي أن ترى شخصا ما وتلتقط له صورة ثم تمضي؟
هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا التصرف اللاأخلاقي مع بعضنا. ما نشاهده على موقع "يوتيوب" مثلا، يندى له الجبين. ثمة فيديوهات لأشخاص لم يستأذن مصوروها من أصحابها، وبخاصة النساء.
صور تتشابك فيها السخرية والموقف المضحك والفضائحي، صور تريد أن تحقق فرجة عالية، لتكتمل معها عتمة المشهد البشري، الذاهب الى نزع كل ما من شأنه أن يجعلنا مكتنزين بخاصياتنا وملامحنا وأخطائنا وجمالنا.
مواقع التواصل الاجتماعي، تبث يوميا صورا لأشخاص لا يعرف من يعيدون بثها أصحابها، ويتباهون بتعليقات، غالبا ما تضع أصحاب تلك الصور تحت الانتقاد والتجريح واللوم والسخرية، ولا أحد يتخيل نفسه في موقف كالذي انتقده أو سخر منه أو صاغ له فضيحة، لا أحد، فالكل يظن أنه منزه عن الوقوع بين يدي جبان، يلتقط الصور ليمسخر أصحابها.
إننا ندخل عنوة في منطقة عمياء، ترتدي أقبح ما فينا من اعتداء على ذوات ليس من حقنا أن نجعل منها فرجة أو أضحوكة أو علكة تلاك في كل حين.. منطقة بدأت تحطم صناديق الخصوصية الفردية، وتعتدي على أدق لحظاتنا، كأنما أصبح الكائن البشري مشاعا للفضيحة أو الفرجة والإذلال والإهانة.
وفي هذا كله، ترتكب الصورة عن سابق إصرار وعمد وترصد، وتبث، وتشاع، بينما القانون غائم مبهم، لا يتفطن لما تحدثه من آثار، الا حين تؤدي صورة تبدو كفضيحة الى مصيبة، وحتى في تلك اللحظة يكون العقاب بسيطا، أو لا يكون هناك أي عقاب.
كثيرة هي الصور التي تسببت بكوارث لعائلات وأفراد ومجتمعات، وألقت بانطباعات مرة حولهم، وكثير هم المصورون الذين لا يمتلكون أدنى ذرة من الأخلاق، تجعلهم يكبحون هذا العار الذي يرتكبونه بلا  أدنى وازع يبصرهم في تبعات ما يقدمون عليه من أفعال مشينة.
تخيل أن تكون في مطعم تتناول طعامك مع زميل في العمل، وخلفكما فتاة، حركة بسيطة من كاميرا هاتف أحد الجبناء، تجعل الفتاة بينك وبين صديقك، ثم تبث هذه الصورة، فما الذي ستتسبب به؟ هذا مثال بسيط، لكنه سيلقي بظلال مريعة عليك وعلى صديقك وعلى الفتاة.
لكم نحتاج الى منظومة أخلاق تنزع عنا كل هذا الوسخ، وتعيد الينا بعض ما يمكننا من أن نكون بشرا حقيقيين، نجعل الصورة تخدم الجمال والمحبة والحوار، لا الفضيحة وانتهاك خصوصياتنا.

التعليق