برامج التعليم الموازي والتفكير خارج الصندوق

تم نشره في الثلاثاء 26 نيسان / أبريل 2016. 12:00 صباحاً

أ. د. فايز خصاونة*

أشرت في مقال سابق (التعليم العالي المجاني وجدلية تمويله، "الغد"، 13/ 4/ 2016) إلى الحيثيات التي أجبرت الجامعات العامة على استحداث البرنامج الموازي لقبول الطلبة برسوم دراسية أعلى من رسوم البرامج العادية. وذلك لتعزيز إيراداتها المالية أمام تقلص ممنهج في تحويل المبالغ التي كانت تجبيها الحكومة من ريع ضريبة الجامعات والرسوم الجمركية على المستوردات.
لقد كان برنامج التعليم الموازي موضوعا جدليا منذ إنشائه، واعتبرته الجامعات الخاصة منافسا لبرامجها. ومع مرور الزمن، أدخلنا عليه تغييرات جوهرية في مقاصده وطرق تنفيذه، أفسدته وحرفته عن أهدافه إلى أن أصبح الآن، بعد ما يقرب من عشرين عاما على تبنيه، صورة مشوهة لما كان عليه عند البدء في تطبيقه. وقد بلغ التشويه فيه درجة عالية، أدت في المدة الأخيرة إلى ارتفاع أصوات عديدة تطالب بإلغائه. ووجدت هذه الأصوات صدى قويا لدى اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجنة الوطنية لتطوير الموارد البشرية، والتي أوصت بإلغائه تدريجيا خلال بضع سنوات. فهل وصل إفساد "الموازي" حد اللاعودة، حتى نعطي توصية قطعية بإلغائه، أم أنه رغم كل العيوب والممارسات الخاطئة التي شابته، ما يزال يحتفظ بمبررات وجيهة تقتضي التريث، وتقتضي أن نرجع البصر كرتين كي لا ينقلب إلينا البصر خاسئا وهو حسير؟
الخلفية التاريخية لنشأة "الموازي" 
شهدت المملكة تصاعدا متسارعا في أعداد الطلبة الراغبين في الالتحاق بالجامعات مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي. وتعاملت الحكومات مع تلك الظاهرة بالتوسع في أعداد الطلبة المقبولين في الجامعات العامة القائمة حينئذ، ثم بإنشاء جامعات عامة جديدة، والترخيص لجامعات خاصة. هذا من ناحية العدد. أما من ناحية التمويل، فقد تبنت الحكومة سياسة تقليص المبالغ التي كانت تحول للجامعات العامة، رغم أن أعداد الطلبة كانت تتزايد سنويا. وحدث التحول الجذري في أهم ركن من أركان سياسات التعليم العالي عندما عكفت الحكومات المتعاقبة على الابتعاد المتدرج عن سياسة التشارك بين الطالب والخزينة في تحمل كلفة التعليم العالي، وعلى الميل نحو سياسة تحميل الطالب القسط الأكبر من تلك الكلفة، أو ما يسمى سياسة استرداد كامل الكلفة من متلقي الخدمة. كما شرحت ذلك في مقال سابق.
كان لا بد من ذكر هذه المقدمة التاريخية لأنها هي حصريا التي أجبرت الجامعات العامة على إنشاء البرنامج الموازي، لتعويضها عما فاتها من إيرادات كانت تتحقق باسمها ولها حصريا بموجب القانون، ولكن حُجبت عنها تدريجيا من دون سند قانوني بداية، ثم بتعديل على التشريعات المالية ذات الصلة لاحقا.
دستورية التعليم الموازي
كان الطعن في دستورية البرنامج الموازي من أبرز الانتقادات التي أثارها معارضوه منذ البداية، مشيرين إلى أنه يجافي التنافس المتكافئ بين الطلبة في مسألة القبول في التخصص، ويعطي الميسورين أفضلية على من لا يستطيع دفع رسوم "الموازي" العالية. ورغم أني لا أزعم أنني خبير في القانون الدستوري، إلا أن لي رأيا أود إبداءه.
فالتعليم حق دستوري كما جاء في الفقرة الثالثة من المادة السادسة من الدستور: "تكفل الدولة العمل والتعليم ضمن حدود إمكانياتها وتكفل الطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع الأردنيين". وذلك في الفصل الثاني من الدستور، وهو الفصل المتعلق بحقوق الأردنيين وواجباتهم. فالتعليم، إذن، حق من حقوق الأردنيين، والدولة كفيلة به "ضمن حدود إمكانياتها"، وهذه هي تحديدا حجر الرحى في هذه المسألة. وجاء "التعليم" هنا على إطلاقه، ليشمل سائر مراحله، إلا أنه في موقع آخر من الدستور اختص مرحلة التعليم الأساسية بالإلزامية والمجانية في المدارس الحكومية. وتشكل هذه القاعدة الدستورية منطلقا للقول بأن على الدولة أن توفر وسائل التعليم في جميع مراحله ضمن حدود إمكانياتها، وأن للمواطن الأردني الحق في الاستفادة من تلك الإمكانيات المتوافرة. فإذا كان الأمر محصورا نصا بالإمكانيات المتاحة، فهذا يعني أيضا أن هذا الحق غير موجود خارج حدود إمكانيات الدولة التي توفرها السلطة التنفيذية.
لقد كانت الإمكانيات المتوافرة في عقد السبعينيات والثمانينيات قادرة على استيعاب كل المتخرجين من المرحلة المدرسية الثانوية الحاصلين على معدل 65 فأكثر، بل كانت قادرة على تخصيص نصيب من المقاعد الجامعية لأبناء الأردنيين المغتربين، كما لغير الأردنيين من الدول العربية الشقيقة والصديقة. إلا أن الطلب على المقاعد الجامعية بدأ يتفوق على السعة المتوافرة مع نهاية الثمانينيات. ورغم أن المنهجية التشاركية في تمويل التعليم العالي. بتقاسم الكلفة بين الطالب والمجتمع، كانت ما تزال مطبقة، إلا أن تصاعد أعداد الطلبة بوتيرة متسارعة أفضى إلى وضع أصبحت فيه الإمكانيات المتوافرة لا تتسع لقبول جميع الطلبة الراغبين في التعليم الجامعي، وكان لا بد من توفير البدائل لمن حقق شرط الالتحاق بالدراسة الجامعية ولم يحظ بمقعد جامعي. وكان من بين تلك البدائل الجامعات الخاصة (وجاءت بداياتها في العام 1990) أو الدراسة في جامعات أجنبية. ولم تكن محدودية الإمكانيات الوطنية في يوم من الأيام عائقا يمنع أحدا من متابعة دراسته الجامعية. إما في الجامعات الخاصة أو الأجنبية، لأن طلب العلم حق دستوري ويجب أن يبقى كذلك.
لقد امتاز هذان البديلان. الدراسة في جامعات خاصة أو في جامعات أجنبية، بفروقات مهمة مقارنة مع الدراسة في الجامعات الوطنية العامة، من حيث ارتفاع الرسوم من جهة، ومن حيث أنهما يمنحان الطالب حرية اختيار التخصص والجامعة من جهة أخرى. وفي البداية، كانت خيارات التخصص محدودة في الجامعات الخاصة، إلا أنها سرعان ما بدأت تتنوع. أما خيارات الدراسة في الخارج، فكانت أكثر كلفة من الجامعات الخاصة في معظم الأحيان، وأكثر تنوعا. أضف إلى ذلك أن للدراسة في الجامعات الأجنبية محاذير تتعلق بسوية بعضها واعتمادية برامجها، خصوصا أن الطلبة الذين لم يُقبلوا محليا لم يدخروا جهدا لاكتشاف الجامعات التي تقدم تسهيلات في برامجها على حساب نوعيتها، فضلا عن مخاطر تأثر الطالب بالمؤثرات الفكرية والاجتماعية والقيمية التي كانت تقلق ولي أمره، كما تقلق كل حريص على مستقبل أبناء البلد وبناته.
بالنتيجة، فإن الحق الدستوري في التعليم الجامعي كان دوما متاحا لمن يقدر عليه في الجامعات الأجنبية، كما أصبح متاحا لمن يقدر عليه في الجامعات الخاصة منذ نشأتها في بداية التسعينيات من القرن الماضي. وكما أسلفت، فقد كان الطالب وولي أمره يقبلان بالكلفة العالية لأي من هذين البديلين، مقابل حرية اختيار التخصص والجامعة. ولم نسمع يوما أن ذلك يخالف أي نص دستوري. وما كان "الموازي" أصلا يهدف إلى إضافة بديل ثالث يوفر حرية الاختيار، بل كان حصريا لتعويض الجامعات العامة عما حُجب عنها من إيرادات. ولكننا اكتشفنا لاحقا أنه إلى جانب ذلك، يوفر بديلا ثالثا شأنه شأن الجامعات الخاصة، ولكن بتنوع أوسع في التخصصات المتاحة. فالبرنامج الموازي يفتح إمكانيات إضافية غير الإمكانيات التي توفرها الدولة، وهذه الإمكانيات المضافة لا تتحقق بفعل الدولة ليطبق عليها الحكم الدستوري، بل تتحقق فقط نتيجة الرسوم الدراسية العالية التي يدفعها الطالب مقابل حرية الاختيار، وأي عبء تدريسي أو إشرافي ناجم عن طلبة "الموازي" يجب أن تُغطى كلفته كاملة من رسومهم الدراسية. وعليه، فإن رسوم "الموازي" كانت تصمم لتغطية الكلفة الفعلية الإضافية الكاملة لتقديم الخدمة. وطالما أنها كذلك، فهي حكما ليست من ضمن الإمكانيات الحكومية، وتنتفي عنها أي شبهة دستورية إذا التزمنا بالحدود الواردة أعلاه.
وإذا عدنا إلى بدايات تطبيق "الموازي" في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية ثم في جامعة اليرموك (وكانتا على التوالي أول من طبق البرنامج)، فقد رأت جامعة العلوم والتكنولوجيا في حينها أن توزع إيرادات "الموازي" بنسب متباينة بين الجامعة وأعضاء هيئة التدريس والموظفين الإداريين والقائمين على البرنامج، بحجة أن "الموازي" يشكل عبئا إضافيا على الجميع. بينما رأت جامعة اليرموك (وكان كاتب هذه السطور رئيسا لها) أن تخصص كل إيرادات "الموازي" للجامعة، وأن تكافئ فقط أي عبء تدريسي إضافي ناجم عن طلبة "الموازي" من إيراداته، ولم تكلف أحدا بالإشراف على البرنامج ولم تشرك الموظفين الإداريين في إيراداته، لأن التحليل العلمي الدقيق لواقع الأمر كشف أن طلبة "الموازي" لم يحملوا الطواقم الإدارية أي أعباء إضافية، خصوصا أن عدد الإداريين العاملين كان حينها أكثر من الحاجة الفعلية لهم.
ومع تصلب الحكومة في تجميد ما تحوله للجامعات بنحو 50 مليون دينار سنويا خلال آخر خمسة عشر عاما، أخذت باقي الجامعات تحذو حذو "التكنولوجيا" و"اليرموك" في استحداث البرامج الموازية، وبدأ العبث في أسس وطرق تنفيذها. وتفاقم الأمر إلى أن أصبح "الموازي" مثقلا بممارسات خاطئة، أثرت سلبا على مستوى التعليم الجامعي ونوعيته. ومن أهم هذه الممارسات المسيئة:
1. القبول غير المنضبط عددا: إذ تقبل الجامعات أعداداً كبيرة من الطلبة في "الموازي" من دون تعزيز الطاقة الاستيعابية للجامعة. بتوظيف من يلزم من أعضاء هيئة التدريس للنهوض بالمهام التدريسية والإشرافية المطلوبة، وذلك لتعظيم الوفر المالي. فارتفعت نسبة الطلبة إلى الأساتذة إلى أن وصلت بالمعدل إلى 1:32 لكل الجامعات وفي كل التخصصات. وهذا يعني أن النسبة كانت أعلى من ذلك في كثير منها، كما يعني أن المعدل المرجح لعدد الطلبة في الصف الواحد كان حوالي 48 طالبا. وبدأنا نسمع عن شعب عدد طلبتها بالمئات.
2. القبول غير المنضبط نوعا: إذ عكف بعض الجامعات على قبول الطلبة في "الموازي" على أسس غير تنافسية، بل على أساس الأفضلية لمن يحجز موقعا له قبل غيره، من دون النظر إلى أهلية الطالب من حيث المعدل، طالما كان معدله لا يتعارض مع الحدود الدنيا التي يضعها مجلس التعليم العالي. فعلى سبيل المثال، في تخصص اللغة العربية وآدابها، أو القانون أو الشريعة أو الاقتصاد، فإن الحد الأدنى هو معدل 65. ولكن الحد الأدنى تنافسيا لهذه التخصصات قد يكون أعلى من 85. فصار طالب البرنامج العادي الذي لم يقبل بأي من هذه التخصصات يرى زميلا له زامله في نفس المدرسة مقبولا في "الموازي" في إحدى هذه التخصصات بمعدل 65، بينما هو لم يقبل بأي منها (تنافسيا) رغم أن معدله 84.9. والفرق أن صاحب المعدل المتدني قادر على دفع رسوم "الموازي"، بينما الطالب الآخر معسر ولا يقدر عليها. وفي مثال آخر، في تخصص الطب أو الهندسة، فإن الحدود الدنيا لهذه التخصصات هي معدل 85 للطب و80 للهندسة، ولكن قد يكون الحد الأدنى تنافسيا للطب 95 والهندسة 90. وفي هذا المثال، قبلت بعض الجامعات طلبة بمعدل 85 في "الموازي" في الطب و80 في الهندسة ممن كانوا قادرين على تحمل رسوم "الموازي"، بينما لم يقبل الطالب المعسر في الطب بمعدل 94.9 أو في الهندسة بمعدل 89.9. وهذا وضع يتكرر أكثر مما نتصور، وله آثار سلبية جمة، فلا تنحصر آثاره في الحنق والشعور بالغبن، بل تتعداه إلى خلق وضع غير متوازن داخل الغرفة الصفية بسبب التباين الكبير في تحصيل الطلبة وأهليتهم، مما يفسد العملية التعليمية والتعلمية على السواء. لقد أصبح القبول غير المنضبط عددا ونوعا إساءة صارخة لكل معايير العدالة وتكافؤ الفرص، وكل معايير الجودة والاعتماد.
3. توزيع حصة من إيرادات "الموازي" على العاملين بالجامعة: وقد خلقت هذه الممارسة وضعا صعبا بالنسبة للجامعات وفهما خاطئا لدى العاملين فيها. ورغم التحذيرات التي كان كاتب هذه السطور يذكر بها، إلا أنها أصبحت الآن نهجا تمارسه كل الجامعات، وتم تعديل أنظمتها لتجيز صرف حصص من الإيرادات على شكل مكافآت تتغير صعودا أو نزولا حسب حجم الإيرادات. ولم يقف العبث في هذا الأمر عند إيرادات "الموازي"، بل شمل إيرادات البرنامج الدولي وبرامج الدراسات العليا، وأصبحت تجمل كلها في ما يسمى البرامج الخاصة. والأمر الجلل في هذا العبث أن تطبيقه في أي جامعة من الجامعات يخلق ضغطا شرسا على إدارات الجامعات الأخرى للتأسي بها. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، ورغم أن التشريع نص على أنها مكافأة متغيرة، فإن العاملين ينكرون على الإدارات الجامعية أي تغيير ينقص من مقدارها، فهي إما أن تزداد أو تستقر كما هي مهما نقصت إيرادات البرامج الخاصة. وتدور في أوساط الأكاديميين من العاملين الآن همسات تطالب بشمول هذه المكافآت في الضمان الاجتماعي ومكافأة نهاية الخدمة، مما سيحمّل الجامعات أعباء مالية سوف تنوء بها لا محالة.
4. التوسع غير المنضبط في استحداث برامج بمسميات جديدة من دون تغيير جوهري في المضمون: حدث هذا للالتفاف على القيود المفروضة على زيادة الرسوم الدراسية للبرامج العادية. فتنتحل إسما جديدا وتضع له رسوما عالية، مما جعل تعدد المسميات مهزلة مشينة أربكت هيئة الاعتماد وعقّدت مهامها.
5. التوسع غير المنضبط في برامج الدراسات العليا: وهذا نتيجة حتمية لشمول إيرادات برامج الدراسات العليا في حصيلة البرامج الخاصة المذكورة آنفا. فكلما زاد عدد طلبة الدراسات العليا، زادت الإيرادات وزادت حصة العاملين. وهكذا شهدنا صعودا مباغتا في أعداد طلبة الدراسات العليا، وتسابق أعضاء هيئة التدريس على استقطابهم. وقد تزامن ذلك مع السماح لمن تخرج بمعدل مقبول في البكالوريوس بالالتحاق بالدراسات العليا، وبدأنا نشهد تراجعا في المستوى، وظواهر أخرى نعرفها جميعا ولكن يضيق المجال لوصفها هنا.
رغم كل هذه الممارسات الخاطئة، نجد أنفسنا الآن في مأزق صعب. إذ من جهة، فإن العبث بالموازي قد أوصله إلى مرحلة تدفع باتجاه إلغائه جملة وتفصيلا، علنا نوقف كل الإساءات المترتبة عليه. ومن جهة أخرى، فإن إلغاءه ليس أمرا سهلا ولا يؤدي بالضرورة إلى تحاشي الكثير من الإساءات المصاحبة له.
ولشرح ذلك، أبدأ بموضوع الإيرادات المفوتة التي ستترتب على إلغائه. وإذ تتباين الأرقام ذات الصلة، لكن التقديرات الموضوعية تشير إلى أن الإيرادات المفوتة من رسوم "الموازي" (غير شاملة لرسوم "الدولي" أو "الدراسات العليا") تبلغ حوالي 85 مليون دينار سنويا لكل الجامعات ولكل الطلبة الملتحقين بها لو ألغيناه فورا، ولو دفع طلبته نفس رسوم طلبة "العادي"، شريطة أن تبقى الأعداد كما هي الآن، علما أنها سوف تزداد حكما للتزايد المرتقب في أعداد خريجي الثانوية العامة. وهذا يعني أن على خزينة الدولة أن تتحمل هذا العبء السنوي لتعويض الجامعات عن الإيرادات المفوتة. يضاف إلى ذلك حصة العاملين، والتي تحسب كنسبة من إجمالي إيرادات "الموازي"، وليس من الفرق بين رسوم "الموازي" و"العادي". وتقدر تلك الحصة بحوالي 70 مليون دينار سنويا.
أي إن على خزينة الدولة أن تضخ 150 مليون دينار سنويا فوق ما تضخه الآن في موازنات الجامعات، فقط نتيجة إلغاء "الموازي". ولا تأخذ هذه الأرقام بالحسبان أن الوضع المالي للجامعات مأزوم، وهي تعاني من عجز مالي يقدر بحوالي 137 مليون دينار. إذ إن رسوم البرامج العادية لا تغطي إلا 40 % من الكلفة الحقيقية. فما تضخه الخزينة الآن في موازنات الجامعات لا يرقى إلى ما يجب أن تكون عليه لأسباب شرحتها في مقال سابق.
وخلاصة القول، أن إلغاء "الموازي" سوف يرتب على الدولة أعباء مالية لا قبل لها بها، وخصوصا في الظروف الحالية. وهذه أرقام ستتضاعف إذا أخذنا بفكرة التعليم المجاني التي تنادي بها اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجنة الوطنية لتطوير الموارد البشرية.
ورغم كل الممارسات الخاطئة التي تقدم ذكرها، فإن البرنامج الموازي لا يخلو من بعض الإيجابيات التي يمكن اختزالها في إيجابية واحدة، وهي أنه يوفر للطالب حرية اختيار التخصص في الجامعة الوطنية التي يختارها. وهذه حرية لا يجوز أن نغمطها أو نستهين بها، لأنها حق دستوري بامتياز. وأحسن دليل على ذلك ما حصل خلال السنة الدراسية الحالية 2015/ 2016. فعندما ظهرت نتائج "التوجيهي" للدورة الصيفية للعام 2015، كان عدد الطلبة الذين حصلوا على معدل 65 فما فوق أقل من الطاقة الاستيعابية التي أفصحت عنها الجامعات العامة، وكان بإمكان جميع الطلبة أن يسجلوا في البرامج العادية برسوم منخفضة. مع ذلك، سجل عدد كبير منهم في "الموازي" رغم الرسوم الدراسية العالية، فضلا عمن سجل منهم في الجامعات الخاصة برسوم أعلى، وذلك فقط تطبيقا لحرية اختيار التخصص والجامعة.
إذن، لا يجب أن يؤخذ القرار بشأن إلغاء "الموازي" أو الإبقاء عليه بناء على موازنة السلبيات مع الإيجابيات، بل أتوقع أن يؤخذ بناء على الأسباب القاهرة المتمثلة في العبء المالي على الخزينة. ولأن الأمر كذلك، فالحصافة تقتضي أن نفكر مليا وبإلحاح في إصلاح ما عطب من البرنامج الموازي لإزالة مساوئه وتخفيف ضررها.
إصلاح البرنامج الموازي
إذا تأملنا أهم ممارسات "الموازي" الخاطئة التي تقدم ذكرها، نكتشف أنها كلها قابلة للتصويب، وبسهولة أكثر مما يتصور الكثيرون منا. والإصلاح يبدأ بالعودة إلى القيد الدستوري كما ورد في نص الفقرة 3 من المادة 6 المشار إليها سابقا، إذ إأنها حصرت القبول في البرنامج العادي ضمنيا في ما توفره "إمكانيات" الدولة فقط، وإمكانيات الدولة في هذه الحالة محددة بمساهمة الخزينة في تحمل نصيبها من كلفة التعليم العالي. وعلى سبيل المثال، إذا افترضنا ما يلي:
- أن الدولة قد اعتمدت سياسة المشاركة في كلفة التعليم بمعدل 50 %، وأن الرسوم الدراسية التي يدفعها الطالب في البرنامج العادي سوف تغطي ما تبقى من الكلفة
(50 %)، بمعنى أن تبقى رسوم البرامج العادية كما هي من دون أي عبث بها.
- وأن مساهمة الخزينة لإحدى الجامعات حسب الفقرة السابقة تناظر قبول 3000 طالب سنويا.
- وأن الطاقة الاستيعابية للجامعة المنسجمة مع معايير الاعتماد هي أيضا 3000 طالب سنويا، مع التأكيد أن الطاقة الاستيعابية تشمل الكوادر البشرية المؤهلة والبنية التحتية اللازمة.
- وأن مجلس التعليم العالي قد أجاز التعليم الموازي بما لا يزيد عن 25 % من عدد المقبولين على البرامج العادية.
فإن على الجامعة إذا رغبت في استقبال 750 من طلبة "الموازي" أن:
1. تحدد رسوم "الموازي" استنادا إلى كلفة التعليم الفعلية لكل تخصص.
2. وأن تنفق من إيرادات "الموازي" ما يلزم لتوفير الطاقة الاستيعابية الإضافية المناظرة لقبول 750 طالبا على "الموازي" (أي 25 %)، شاملة من يلزم من أعضاء هيئة تدريس وطواقم إدارية/ وما تحتاجه الجامعة من تجهيزات ومستهلكات.
3. وأن تعتبر جميع إيرادات "الموازي" إيرادات خالصة للجامعة، لا تنفق منها للعاملين أي نسبة، لأن "الموازي" لا يثقل أحدا بأعباء إضافية يستحق مكافأة عليها.
ثم إن على مجلس التعليم العالي أن يعمل مع الجامعات لتعديل أنظمة الرواتب، لإلغاء النصوص التي تجيز صرف حصص من إيرادات البرامج الخاصة (و"الموازي" أحدها) للعاملين، وتعديل الرواتب بما يعوضهم عن هذا النقص بطريقة توافقية.
بهذه الطريقة تصبح الإمكانيات الإضافية للموازي خارج "حدود إمكانيات" الدولة، فتنتفي عنه أي شبهة دستورية، ونحافظ على نافذة تعطي طلبتنا الفرصة لممارسة حق دستوري يتمثل في حرية اختيار التخصص والجامعة بتنوع أوسع من الجامعات الخاصة من جهة، وبنوعية أفضل من الكثير من الجامعات الأجنبية التي يؤمها أبناؤنا وبناتنا من جهة أخرى.
تفكير خارج الصندوق؟! ربما. ولكن ألسنا أحيانا بحاجة لأن ننسلخ عن واقعنا لاجتلاء ما غـُمَّ منه. لقد كان "الموازي" جدليا منذ نشأته، لأن تفكيرنا انصب على الغاية الجبائية منه، وانصرفنا عن المسوغات القانونية التي بررت إجازته،  فهان علينا أن نمضي باتجاه منزلقات مفعمة بالمثالب. وقد آن الأوان لأن نرده إلى أصوله، وأن نعيد صياغته باتجاه تنقيته من كل السلبيات التي شابته.

*رئيس مجلس أمناء جامعة اليرموك

التعليق