جمانة غنيمات

لا لوم عليهم!

تم نشره في الأحد 1 أيار / مايو 2016. 11:10 مـساءً

حين نعلم أن هناك 100 ألف طفل عامل في الأردن، يكون لزاماً علينا جميعاً، وابتداء فقط، الخجل من أنفسنا؛ لأن هؤلاء الصغار الأبرياء هجروا مقاعد الدراسة وتركوا ألعابهم، ليقضوا أوقاتهم في محال الميكانيك وبيع الخضار وسواها، بدلاً من المكتبات والملاعب، أو حتى جنبات البيوت الدافئة.
إذ حين تكشف لنا أحدث الدراسات عن أن عدد الأطفال العاملين في الأردن تضاعف ثلاث مرات منذ العام 2007؛ حين كان عددهم 33 ألف طفل عامل، مقارنة بنحو 100 ألف طفل حالياً، يكون سهلاً علينا إدراك كم قست الظروف على هذه الشريحة المستضعفة، وكم ظلمهم محيطهم.
وبالتوقف لو قليلاً عند الحقيقة الأخيرة، يبدو ممكناً لنا تماماً تخيل كل ما يقع على هؤلاء الأطفال عمراً، والكبار معاناةً، من انتهاكات معنوية ونفسية وجسدية؛ وكذلك استحضار كيف فقدوا براءتهم أمام صناديق وأرفف الخضار والفواكه، وتحت عجلات السيارات التي طحنت أرواحهم وليس أجسادهم بالضرورة، هذه المرة.
ليس ثمة مبالغة في الأرقام. لكن لا يجدر توقع أن يعبر المسؤولون عن ذلك، وهم أغلبيتنا، عن صدمتهم وتوجع قلوبهم التي جفّ منها الإحساس في الواقع. نعم إنها حقيقتنا، وليس واحداً من ادعاءات جهات مغرضة تسعى إلى تدمير سمعتنا أمام الخارج، بأن تقول له إن قلوبنا ماتت، وإحساسنا بالطفولة وحقوقها انعدم.
التحميل والتنزيل إحدى فرص العمل المتاحة بحفنة دنانير. لذا تجد ظهور الأطفال محنيّة؛ إنما من دون أن ندري إن كان ذلك بسبب الحمولة الزائدة، أم بسبب انكسار كرامتهم، بعد طفولتهم، إذ فقدوا الإحساس بالاحترام والإنسانية ككل.
الأطفال البالغ عددهم مائة ألف طفل، يتوزعون بين قسمين. الأول، يضم أطفالاً أردنيين، ظلمهم الفقر وبطالة ذويهم، ليسعى هؤلاء الأهالي، مع سبق الإصرار، إلى تشغيلهم، بغية تأمين مصدر دخل لأسرهم، من دون اكتراث بمستقبلهم الذي اتضحت ملامحه منذ تسربوا من مدارسهم ليجلسوا في ورش العمل.
هؤلاء الصغار أصبحوا سلعة رخيصة بالنسبة لأصحاب عمل يقومون باستغلال أطفالنا الذين سيرضون، طبعاً، بشروط عمل مجحفة. وبذلك يرتكب أرباب العمل هؤلاء الخطيئة/ الجريمة مضاعفة؛ مرة بتشغيل طفل محتاج، في مخالفة قانونية صريحة؛ وثانية بإتيان ذلك ضمن ظروف عمل سيئة -ناهيك عن الأجور المنخفضة- تجعل الصغار عرضة للاعتداءات والأمراض بكل أشكالها.
أما القسم الثاني من الصغار العاملين، فهم الأطفال السوريون. وهم ذوو وجع مضاعف. إذ فوق مشاركتهم الطفل الأردني العامل ظروف شقائه، فإن هؤلاء غادروا الدار على أمل العودة، بعد أن تركوا الكتب والألعاب هربا من حاكم ظالم لا يتوانى عن قصف وقتل شعبه بالبراميل المتفجرة وسواها، وتشريد مواطنيه إلى كل أصقاع الدنيا.
منذ اليوم الأول لدخولهم سوق العمل، لم يعد "الأطفال العمال" أبرياء؛ وظروفهم المستجدة جعلت منهم سريعاً كائنات مشوهة؛ فهم كبروا قسراً قبل أوانهم، ما يجعل تركيبتهم غير طبيعية أبداً، بسبب الإهمال.
للمشكلة أبعاد كبيرة. إذ كل السيناريوهات التي تنبئ بمستقبل صعب لهؤلاء الصغار ممكنة، بخلاف الاحتمال الضئيل بأن يصدفوا "أبناء حلال" يرأفون بهم، ويقللوا الضرر الذي يلحق بهم جسداً وروحاً. وهم يمثلون، خصوصاً، صيدا سهلاً وثميناً للمجرمين والإرهابيين؛ إذ تتحدث الدراسات عن وجود أكثر من 20 ألف طفل يعملون مع التنظيمات الإرهابية.
الأطفال العمال هم ضحايا لعبة الكبار؛ سواء جاء ظلمهم عبر سياسات الحكومات التي أهملتهم وفشلت في إنقاذ أسرهم من الفقر والبطالة فدفعت بهم إلى المجهول، أو كانوا ضحايا الحروب والأزمات. وفي النهاية، يبدو لدينا واقع كما مستقبل مظلمان لكل هؤلاء. فمن سينقذهم، وينقذنا؟ فهؤلاء لا لوم عليهم حتى إن أصبحوا مجرمين أو إرهابيين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"الظاهرة عندما تصبح مشكلة" (يوسف صافي)

    الاثنين 2 أيار / مايو 2016.
    اجدت واسهبت عن حال تلك الفئة التي هي الشريك في صناعة المستقبل وان جازلنا التعليق انه من المؤسف عدم التخطيط الموازي ل آثار المشاكل الإقتصادية التي وان غاصت الأقلام في بحر القراءة لها لاتتعدى سوى محصلّة الأرقام سلبا وإيجابا وكأن الميزانية والموارد وعدالة توزيعها لاحس ولا إنعكاس على مكنونات الحياة جميعها ولايلتفت صانع القرار الى الظواهر في مهدها حتى نجابه انها اصبحت مشكلة مما يزيد كلفة العلاج وفي البعض منها تتأصل وتزمن نتيجة السلوكيات وتراكمها حيث يصعب حلّها؟؟وان جاز لنا الإضافة وحتى لانتعامل مع مثل تلك المشاكل وحلولنا اشبه بنظام الفزعة لابد من مواكبة الأرقام في الموازنة وخطتها التقديرية آثار ها وإنعكاسها(التضخم وعدالة التوزيع وغيره) على طبقات المجتمع بكامل صنوفه لاوبل الأخذ بالحسبان كلفة آثارها الآنية والمستقبلية حتى لاتدور المشكلة للحكومة التي تليها وهكذا دواليك كما الديون على سبيل المثال لاالحصر " مع الأخذ بالأسباب والمسببات ووضع الإستراتجية التي سبيل الولوج لحلها حديث الصادق الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الوأحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" وقول عمر ابن الخطّاب "لوكان الفقر رجلا لقتلته "ولاننسى ان القراءة لأي موازنة واوخطة تقديرية لها شطران يجب التدقيق مابينهما وإنعكساتهما " ودون ذلك تبقى عرجاء لاتستطيع حمل روافع المجتمع وتلبية احتياجته ولاتفرخ سوى المشاكل؟؟